
المعماري حسن فتحى فلسفة خلاص الأرض .
بقلم / عمرو صلاح الغندقلي
في اليوم العالمي للهندسة المعمارية، نستحضر عبقرية احترمت الطبيعية والتراب لا الخرسانة، ورفعت شعار “عمارة الفقراء” ليصبح منهجًا لإنقاذ كوكب الارض الذي يئن ويختنق بالتلوث والاستهلاك المفرط.
البداية: معماريٌ تحدى روح عصره
في عام 1900، ولد حسن فتحي على ضفاف الإسكندرية، حيث مزجت المدينة بين عبق التاريخ ونسيم المتوسط. تخرّج في كلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول، لكنه لم يكن كغيره من المعماريين الذين كانوا يتسابقون نحو ناطحات السحاب الخرسانية والواجهات الزجاجية البراقة. كان فتحي، منذ نعومة أظافره، يحمل هوسًا مختلفًا: كيف يمكن لمنزل بسيط أن يمنح ساكنيه الدفء شتاءً والبرودة صيفًا، دون سخانات أو مكيفات؟
وكيف يليق بالمواطن البسيط أن يحلم بمسكن صحي وجميل، دون أن يرهقه الدين أو يستنزف دخله اليومي؟
الفلسفة الثورية:
الجذور أعمق من الإسمنت
خرج فتحي من قاعات الجامعة ليجوب القرى المصرية، فاكتشف سرًا كان مضمرًا في جدرانها الطينية. لم تكن تلك المنازل مجرد أكوام من التراب، بل كانت نظامًا حيويًا متكاملًا، استقرت فيه خبرة مئات السنين.
ما تركه الأجداد من إرث حضاري كامن فى الجين المصري كان ظاهرا فى بناء البيوت ،جدرانها السميكة تمتص حرارة النهار اللاهبة لتردها هدوءًا في ليالي الصحراء الباردة، بينما تخلق قبابها وباحاتها الداخلية تيارات هوائية تتنفس كما تتنفس الرئتان.
هنا ولدت فلسفته الشهيرة: البناء بالمواد المحلية، والاعتماد على الحرفيين وأبناء البلدة، وإحياء تقنية القباب والأقبية التي لا تعرف الغبار، ولا تترك للرطوبة فرصة. لم يكن هذا انحدارًا نحو البدائية، بل كان صعودًا نحو عمارة تتعايش مع الطبيعة، لا تحاربها؛ عمارة تتحدث لغة المكان، لا تفرض عليه لغة الخرسانة المسلحة.
قرية القرنة:
المعمل الإنساني الذي هز وجدان العالم
جاء المشروع الأكبر ليثبت جدوى هذه الرؤية، حين كُلف بإعادة تصميم قرية القرنة الجديدة في الأقصر، عند سفح الجبل الذي يضم مقابر الفراعنة. لم يكن المشروع مجرد بيوت متجاورة؛ لقد كان دراما إنسانية متكاملة، تهدف إلى نقل سكان المنطقة إلى مساكن تليق بكرامتهم، وتنساب مع جمال الطبيعة المحيطة، بدل الأكواخ العشوائية التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
استخدم فتحي الطوب اللبن المصنوع من طين النيل، وصمم قبابًا وأسقفًا عقودًا تتناغم مع تضاريس الجبل، وفتح نوافذ تهوية ذكية تجعل الهواء يتجدد دون عناء. ورغم أن المشروع واجه عقبات بيروقراطية واعتراضات مجتمعية في حينه، إلا أن بصماته تحولت لاحقًا إلى أيقونة معمارية تُدرَّس في أهم جامعات العالم، وتُستقى منها الدروس في التواضع الهندسي والعبقرية البيئية.
إرث عالمي.. جائزة لا تعوضها قيمة
لم تمرر رياح الزمن هذه التجربة دون تكريم.
دوّن فتحي أفكاره في كتابه الخالد “عمارة الفقراء”، الذي تُرجم إلى عشرات اللغات، وظل مرجعًا أساسيًا لكل من يؤمن بأن العمارة حق إنساني، وليست حكرًا على الأثرياء. ونال اعترافًا دوليًا نادرًا: حصل على الميدالية الذهبية للاتحاد الدولي للمعماريين (UIA)، كما تُوج بجائزة الآغا خان للعمارة في دورتها الأولى، إلى جانب جوائز وأوسمة من مؤسسات ثقافية وأكاديمية في الشرق والغرب، جعلته واحدًا من أبرز المعماريين المؤثرين في القرن العشرين.
رؤيته اليوم: من “فقراء الماضي” إلى “إنقاذ المستقبل”
رحل حسن فتحي عام 1989، لكن أفكاره لم تتبعثر مع التراب الذي أحبه. فبينما كان العالم في سباق محموم نحو تعقيد المباني واستهلاك الوقود الأحفوري، كان فتحي يُبصِر بوضوح ما سيواجه البشرية بعد عقود.
اليوم، ومع اشتداد أزمة المناخ، وارتفاع فواتير الطاقة، وتنامي الوعي بالبصمة الكربونية، يعود العالم إلى تلك الجدران الطينية ليستلهم منها حلولًا لمستقبل أخضر. تحولت “عمارة الفقراء” من مصطلح وصفي لفئة اجتماعية، إلى فلسفة كونية تُعلمنا أن نُقلِّل، نُعيد التدوير، نُعيد التوازن. إنها دعوة صريحة للعودة إلى جوهر الأشياء، إلى البناء بالقدر الذي نحتاجه، وبما تمنحنا إياه أرضنا، لا بما نستورده من خارج حدودها.
خاتمة:
قباب من حجر أو طوب لبن تُنير درب البشرية
في الأول من يوليو، وهو اليوم الذي خُصص لتكريم العمارة، ننظر حولنا فنرى مدنًا تلهث تحت وطأة التزاحم الخرساني، وعقولًا تبحث عن مخرج. حينها تشرق علينا قباب حسن فتحي من جديد، كتذكير بأن الحل لم يكن يومًا في الصراخ في وجه السماء بناطحات السحاب، بل في الهمس للتراب ببيوت تنبض بالحياة. لقد جعل هذا المصري العظيم من الطين والحجر وسيلة لإنقاذ الأرض، ومن البساطة بوابة للخلاص، تاركًا إرثًا خالدًا يقول للعالم: لكي نبني المستقبل، علينا ألا ننسى حكمة الجذور.





