الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

كفر سعد.. مدينة ولدت من حلم

كفر سعد.. مدينة ولدت من حلم

بقلم: خالد مراد

ليست كل المدن مجرد تجمعات سكانية نشأت حول الترع أو الحقول ثم تمددت مع الزمن، فهناك مدن وُلدت من فكرة، ورؤية، ومشروع دولة أراد أن يصنع نموذجًا جديدًا للحياة والتنمية.

ومن بين هذه المدن تبرز كفر سعد بمحافظة دمياط، كواحدة من أهم التجارب العمرانية والزراعية الحديثة التي شهدتها دلتا مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين.

ففي زمن كانت فيه أغلب قرى الريف المصري تعاني من العشوائية وضيق الطرق وتداخل الكتل السكنية، بدأت الدولة في عهد الملك فاروق الأول تنفيذ مشروع ضخم لاستصلاح الأراضي الزراعية غرب كفر سعد، بهدف التوسع العمراني والخروج من ضيق الشريط النيلي المكتظ بالسكان خلف قرى الشاطئ الممتدة على فرع دمياط.

وكانت القرى القديمة في تلك المنطقة قد نشأت تاريخيًا ملاصقة للنيل والترع الرئيسية، في مساحات ضيقة فرضتها طبيعة الزراعة القديمة وارتباط الحياة المباشر بالمياه، مما جعل التوسع العمراني محدودًا للغاية مع زيادة السكان.

ومن هنا جاءت فكرة الاتجاه غربًا نحو الأراضي الواسعة غير المستغلة، لإقامة مجتمع جديد يعتمد على التخطيط الحديث والزراعة المنظمة، في تجربة اعتُبرت وقتها من أكبر وأحدث مشروعات التوسع الزراعي والتنظيم العمراني في الدلتا.

ولم يكن المشروع مجرد توزيع أراضٍ على المنتفعين، بل كان مشروعًا متكاملًا لإقامة مجتمع حديث بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ مجتمع قائم على التخطيط والهندسة والزراعة المنظمة والسكن الراقي والخدمات الحديثة.

تفتيش أول.. بداية مدينة جديدة

في أواخر الثلاثينيات، بدأت النواة الأولى للمشروع فيما عُرف باسم “تفتيش أول”، وهو الاسم الذي أُطلق على المنطقة باعتبارها إحدى وحدات الإشراف الزراعي التابعة للدولة آنذاك حيث استبدل مصطلح تفتيش فيما بعد إلي الجمعيه الزراعيه .

هناك بدأت الدولة في إنشاء تجمع سكني منظم للمهندسين والعاملين والمنتفعين بالأراضي الزراعية الجديدة، فظهرت الشوارع المستقيمة الواسعة، والمنازل المنظمة، والتقسيمات الهندسية الدقيقة، في مشهد لم يكن مألوفًا في قرى الريف التقليدية.

وكانت “أرض الإصلاح” الواقعة غرب كفر سعد هي القلب الحقيقي للمشروع، حيث جرى تقسيم آلاف الأفدنة وفق خرائط حديثة، مع شق الترع والمصارف والطرق بطريقة هندسية متطورة تضمن سهولة الري والصرف والحركة الزراعية.

تفتيش ثان.. امتداد الحلم الملكي

ومع نجاح المرحلة الأولى واتساع الرقعة الزراعية، جرى إنشاء “تفتيش ثان” في أوائل ومنتصف الأربعينيات، والذي عُرف لاحقًا باسم “منشأة فاروق”، قبل أن تتغير بعض المسميات بعد ثورة يوليو.

وكانت المنطقة الجديدة امتدادًا عمرانيًا وزراعيًا أكثر تطورًا، حيث استكملت الدولة فيها نفس فلسفة التخطيط الحديث المستوحاة من الطراز الإنجليزي والأوروبي الذي كان مؤثرًا بقوة على العمارة والتخطيط المدني في مصر آنذاك.

وتشير الروايات المحلية المتوارثة إلى أن “تفتيش ثان” ضم استراحة ومبانٍ مخصصة لكبار المسؤولين، بل ويربط كثير من الأهالي بينها وبين زيارات أو متابعة تمت في عهد الملك فاروق، في ظل الاهتمام الكبير الذي كانت توليه الدولة لهذا المشروع الزراعي العملاق.

ورغم غياب وثائق منشورة تؤكد التفاصيل الكاملة لهذه الروايات، فإن وجود استراحات حكومية ومقار للإشراف الزراعي في تلك المشروعات كان أمرًا طبيعيًا في ذلك العصر.

أكبر تجربة استصلاح وتنظيم زراعي

ومن هاتين النواتين، “تفتيش أول” و“تفتيش ثان”، انطلقت واحدة من أضخم عمليات استصلاح الأراضي في شمال الدلتا.

فقد أُقيمت التجمعات الزراعية والسكنية وفق رؤية متكاملة تعتمد على:
تخطيط هندسي دقيق
شبكات طرق واسعة مستقيمة
ترع ومصارف منظمة طولياً وعرضياً
تقسيمات زراعية متساوية ومدروسة
توزيع عمراني يراعي التهوية والحركة والمساحات المفتوحة
وكان المشروع بمثابة مدينة زراعية حديثة قبل ظهور مفهوم “المدن الجديدة” بعقود طويلة، حيث امتزجت الزراعة بالعمران والخدمات في نموذج متقدم بمقاييس ذلك الزمن.

قرى بأسماء أبناء الأسرة العلوية

وفي انعكاس واضح لروح العصر الملكي، حملت القرى والتجمعات الجديدة أسماء أبناء أسرة محمد علي باشا، لتصبح أسماء مثل:
التوفيقية
الإسماعيلية
الإبراهيمية
السعيدية
المحمديه
الفؤادية
العباسية
جزءًا من الخريطة الجديدة للمشروع الزراعي الكبير، حيث حملت “العباسية” اسم الخديوي عباس، واهكذا ، في استمرار لسياسة إطلاق أسماء أفراد الأسرة العلوية على القرى والمناطق الجديدة التي نشأت ضمن مشروع الاستصلاح والتعمير.

وكانت تلك القرى تمثل امتدادًا مباشرًا لفكرة الدولة الحديثة آنذاك، التي حاولت خلق مجتمعات مستقرة ومنظمة حول الأراضي المستصلحة، بدلًا من ترك النمو العمراني للعشوائية.

مدينة بطراز إنجليزي راقٍ

ما يلفت النظر في كفر سعد حتى اليوم أن روح التخطيط القديم لا تزال واضحة في شوارعها وتقسيماتها.

فقد بُنيت المدينة على نمط عمراني راقٍ يعتمد على:
الشوارع الواسعة ذات الاتجاهين
الفيلات والمنازل المستقلة
التنظيم الهندسي المنتظم
المساحات المفتوحة
توزيع المرافق والخدمات بشكل مدروس
وهو طراز قريب من التخطيط الإنجليزي الذي كان يُستخدم في بعض المشروعات الحديثة بمصر خلال تلك الحقبة، ما جعل كفر سعد تُعد وقتها من أجمل النماذج العمرانية في الريف المصري.

بل إن كثيرًا من أبناء المدينة حتى الآن يرون أن التخطيط القديم لكفر سعد كان أكثر رقيًا وتنظيمًا من كثير من المدن التي ظهرت لاحقًا.

من مشروع زراعي إلى مدينة جميلة
وبمرور السنوات، وبسواعد المهندسين والعمال والوافدين الذين شاركوا في بناء المشروع، تحولت “تفتيش أول” تدريجيًا إلى مدينة كفر سعد الحديثة، بينما أصبحت المناطق المحيطة بها جزءًا من كيان عمراني وزراعي واسع امتد أثره على كامل المنطقة.

ومع تغير العصور واختفاء كثير من مسميات العهد الملكي، بقيت الذاكرة الشعبية تحتفظ بأسماء “تفتيش أول” و“تفتيش ثان”، باعتبارهما البداية الحقيقية لمدينة خرجت من رحم مشروع عملاق، واستطاعت أن تتحول إلى واحدة من أجمل وأهم مدن محافظة دمياط.

ولذلك، حين نتحدث عن كفر سعد، فنحن لا نتحدث فقط عن مدينة، بل عن تجربة مصرية مبكرة في التخطيط والتنمية واستصلاح الأرض، تجربة سبقت زمنها، وما زالت آثارها شاهدة حتى اليوم على رؤية عمرانية وزراعية صنعت مدينة كاملة من قلب الحقول.

وفي النهاية، تبقى كفر سعد أكثر من مجرد مدينة أو مركز إداري؛ فهي حكاية وطن كُتبت فوق أرض الإصلاح، وتجربة عمرانية وزراعية سبقت زمنها، وما زالت شوارعها الواسعة وتقسيماتها المنظمة وذاكرة أهلها شاهدة على مشروع عملاق صنع من الصحراء والحقول مجتمعًا حديثًا حمل روح التخطيط والجمال والعمل.

وما زالت في كفر سعد حكايات كثيرة تستحق أن تُروى، عن البشر والأرض والتاريخ والوجوه التي صنعت هذا المكان عبر عقود طويلة.

تابعونا في:
#كفر_سعد_الجميلة
#ذاكرة_كفر_سعد
#حكايات_من_أرض_الإصلاح
#مدينة_سبقت_زمانها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى