
اقتصاد إسرائيل تحت نيران الاستنزاف
بقلم: خالد مراد
يبدو أن الحرب لا تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل تُدار أيضاً داخل دفاتر الحسابات وميزانيات الدول.
ففي تل أبيب، تتكشف ملامح معركة أخرى صامتة، لكنها لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية؛ معركة الاقتصاد الذي بدأ يدفع فاتورة المواجهة المفتوحة مع إيران.
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي دخل العام وهو يضع خططاً دقيقة لضبط العجز واستقرار الموازنة، يجد نفسه اليوم أمام واقع مغاير تماماً.
فالأرقام التي كانت مرسومة على الورق تبخرت تحت ضغط حالة الطوارئ والتعبئة العسكرية، لتحل محلها تقديرات أكثر قتامة عن اقتصاد يتعرض لاستنزاف سريع.
تشير التقديرات الصادرة عن وزارة المالية في إسرائيل إلى أن الاقتصاد يخسر ما يقرب من 9.4 مليار شيكل أسبوعياً نتيجة القيود المفروضة في حالة الطوارئ القصوى.
وهو رقم يقترب من 3 مليارات دولار خلال أسبوع واحد فقط، نتيجة توقف قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي.
ففي ظل حالة التأهب القصوى، توقفت المصانع عن العمل جزئياً، وأُغلقت المدارس، وتحولت قطاعات واسعة إلى العمل عن بُعد.
هذه الإجراءات، التي تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، أدت في المقابل إلى شلل اقتصادي واضح وانخفاض في القوة الشرائية داخل السوق.
ولا يقف التحدي عند حدود الإغلاق الاقتصادي.
فالحرب تفرض فاتورة أخرى أكثر ثقلاً، تتمثل في تضخم الإنفاق العسكري.
إذ اضطرت الحكومة إلى رفع ميزانية الدفاع بشكل ملحوظ لتغطية تكاليف الذخائر واستدعاء قوات الاحتياط وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي، في ظل تصاعد التهديدات القادمة من المواجهة مع إيران.
هذه الضغوط دفعت وزير المالية إلى التحذير من أن العجز في الموازنة قد يتجاوز السقف المحدد البالغ 3.9٪ من الناتج المحلي، وهو ما يعني عملياً انهيار التوازنات المالية التي كانت الحكومة تعوّل عليها للحفاظ على استقرار الاقتصاد.
وفي محاولة للحد من النزيف، تسعى وزارة المالية إلى تخفيف القيود الاقتصادية وخفض مستوى التأهب من الدرجة الحمراء إلى البرتقالية.
فمثل هذه الخطوة قد تقلص الخسائر الأسبوعية إلى نحو 4.3 مليار شيكل بدلاً من 9 مليارات.
غير أن هذا القرار لا يعتمد على الحسابات الاقتصادية وحدها، بل يبقى مرهوناً بتطورات الميدان العسكري، حيث قد تفرض المعارك واقعاً مختلفاً لا يسمح بأي تخفيف للإجراءات.
وبينما تستمر المواجهة في التصاعد، تبدو إسرائيل وكأنها تخوض حربين في آن واحد؛ حرباً عسكرية على الجبهة، وأخرى مالية داخل أروقة وزارة المالية.
وفي مثل هذه الحروب الصامتة، قد لا تكون الخسائر مرئية للعين المجردة، لكنها تتراكم ببطء حتى تهدد أساسات الاقتصاد ذاته.





