أخبار

رسالة إلي طيف غائب

رسالة إلي طيف غائب

رسالة إلي طيف غائب
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​في هذه الساعة المتأخرة من الليل، حيث يسود الصمت المطلق وتخبو أصوات العالم الصاخبة، يلفّني سكونٌ عميق لا يكسره إلا خفقان قلبي الذي يأبى الغفوة. حين يخلد البشر إلى ملاحفهم وتستسلم الأعين لسطوة الكرى، تبقى روحي معلقة في فضاءات ذكراك، مستيقظةً كحارسٍ أمين على عهدٍ قديم. إنني في هذا الهزيع من الليل، أجد نفسي غارقاً في التفكير بك، لا كعابرٍ في الذاكرة، بل كيقينٍ يتسلل إلى أعماق الوجدان؛ أفكّر بك كما لو أنكِ تلك الدعوة الصادقة التي يهمس بها العابد في سجوده ولم يجد لها اسماً بعد، وكأنكِ ملاذ الأمان القصي الذي طال غيابي عنه، وتعثرت خطاي في دروب الوصول إليه.
​ها أنا ذا أخطّ إليكِ كلماتي على مهلٍ شديد، أستحضر كل حرفٍ بعناية فائقة، ففي حضرة الليل لا مكان للعجلة، والزمن يتوقف احتراماً لفيض المشاعر. إنني أكتبكِ بتؤدة لأن اسمكِ ليس مجرد حروفٍ تُنطق، بل هو ترنيمةٌ مقدسة تتطلب قدراً من الصمت المهيب الذي يليق بمكانتك في نفسي. أتهجى ملامحكِ في خيالي وكأنني أقرأ كتاباً نادراً، أخشى أن تنتهي صفحاته، وأغوص في تفاصيل صمتكِ الذي يخبرني بأكثر مما تقوله اللغات مجتمعة.
​وإني أرجوكِ رجاء المتعب الذي أضناه المسير، إن قرر طيفكِ أن يزور عزلتي الآن، وأن يمرّ برحاب خيالي في هذه اللحظة، فليكن طيفاً رفيقاً، وليتسلل برقةٍ ولطف. إن قلبي يا سيدتي قد نال منه الإعياء ما نال، وأثقلت كاهله خيبات الطريق وطول الانتظار، حتى بات هشيماً يخشى لمسة النسيم. ومع كل ذلك الوهن الذي يسكن أركاني، ومع كل التعب الذي يغلّف نبضي، إلا أن هذا القلب المتيم ما زال، وسيبقى، يشرع لكِ أبوابه على مصراعيها، يرفض أن يغلقها في وجه ضيائك، منتظراً حضوركِ الذي يرمم ما انكسر، ويعيد للحياة معناها الجميل.
​فيا ليت هذا الليل يوصل إليكِ أنين الحروف، ويا ليت النسيم يحمل لكِ صدق الشعور، بأنكِ كنتِ ولا زلتِ، المبتدأ والخبر، والوجهة والوطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى