
صرخة الصمت
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
حينما تشتدُّ وطأةُ الأحزان على أرواحنا، وتضيقُ صدورنا بما حملت من أنينٍ صامت، نجدُ أنفسنا نندفعُ بالفطرةِ نحو الدروبِ الممتدة، نسيرُ فيها لمسافاتٍ شاسعةٍ دون وعيٍ بالزمان أو إدراكٍ للمكان. لا تقودنا في تلك اللحظات رغبةٌ في الوصول، ولا يوجهنا مِقودُ العقل، بل هو ذلك الوجعُ القابعُ في أعماقِ القلب الذي يحرّكُ أقدامنا فوق الأرصفةِ الباردةِ والمنعطفاتِ المنسية، وكأننا نحاولُ جاهدين أن نهربَ من ذواتنا أو نسابقَ ظلالنا المكسورة.
إنَّ هذا الارتحالَ العفويَّ ليس مجردَ رغبةٍ عابرةٍ في الاختلاء بالنفس أو الابتعاد عن صخب البشر، رغم ما في الوحدةِ من سكينةٍ مؤقتة؛ بل هو في حقيقتهِ بحثٌ يائسٌ عن نوعٍ آخر من الألم. نحن نسيرُ حتى تكلُّ السواعدُ وتتورمُ الأقدام، ونستمرُّ في الخطوِ حتى يغزوَ التعبُ أجسادنا المنهكة، باحثين عن وجعٍ ماديٍّ ملموس، وعن وخزاتٍ حادةٍ في أقدامنا تُجبرنا على الالتفاتِ إليها.
نحن نفعلُ ذلك أملاً في أن يطغى ألمُ الجسد على مرارةِ الشعور، لعلَّ تعبَ الطريق يسرقُ انتباهنا من نغصاتِ الفقد أو خيباتِ الأمل. إنه نوعٌ من المقايضةِ الروحية، حيث نُبادلُ وجعاً روحياً لا يُرى ولا يُوصف، بوجعٍ عضويٍّ نستطيعُ تحمّلهُ وتفسيره، فربماولو للحظةٍ واحدةتغلبُ بحّةُ التعبِ في أجسادنا صرخةَ الصمتِ في قلوبنا، ويُنسينا إرهاقُ المسافاتِ ذلك الجرحَ الغائرَ الذي لا يندمل.





