أخبارأخبار الأسبوعأخبار عالميةأخبار عربيهأخبار محليهالأسبوع العربيالثقافة والفنونمحافظاتمقالات

الصدام بين العلم والدين في رؤية داروين

رؤية نقدية

بقلم/ د. محمود جمعه الصاوي

منذ أن ظهرت نظرية داروين عن النشوء والارتقاء حتى أحدثت ضجة في ربوع العالم أجمع، حيث جعلت من الإنسان ابناً للطبيعة، فلم يكن الإنسان البدائي على هذه الهيئة من التطور -وأقصد هنا التطور البيولوجي- بل كانت صورة بدائية تتميز بالمشي قائماً، وصناعة الأدوات، والتواصل بلغة منطوقة مفصلة، بحيث يظل الإنسان جزءاً من الطبيعة وابناً لها.

إن هذه النظرية بالرغم من وجاهتها العلمية إلا أنها أقَّضت مضاجع أصحاب الديانات جميعاً سواء اليهودي أو الكنسي أو الإسلامي ليس لأنها أشعلت صراعاً حتمياً بين الدين وهذه الحضارة التي تعتمد على العلم الكوني، فإن هذا الصراع كان موجوداً قبل داروين، إلا أنه كان أقل حدةً وشراسة. أقول إن هذه النظرية ليست مشكلتها أنها أجَّجت صراعاً بين الدين والعلم، بل إنها تنسف موضوع الدين بالكلية، وأعطت للملحدين دليلاً لم يكن ليحصلوا عليه لولا هذه النظرية.

مقالات ذات صلة

أقول أيضاً إن هذه النظرية تنسف موضوع الدين بالكلية، فالنظرية التي تقول إن إنسان هذا العصر ما هو إلا نتاج سلسلة من التطورات لإنسان بدائي أوجدته الطبيعة يتعارض بالكلية مع ما جاءت به الأديان الثلاثة، ففي سِفْر التكوين في التوراة الذي هو كتاب اليهود ويعتبره المسيحيون العهد الأول أن آدم هو بداية خلق الإنسان وأنه أول إنسان وُجِد على الأرض، ووجد بفعل الخلق الإلهي، ثم خُلِق من ضلعه حواء، ثم جاء من نسله جميع البشر الموجودين على الأرض حتى وقتنا هذا، وجاء القرآن مصدقاً لهذا الكلام، بل أعطى الإسلام صورةً لهيئة آدم تختلف تماماً عن الصورة البدائية التي يتحدث عنها داروين، فكان آدم ذلك الإنسان الأول في أحسن صورة، وعلّمه الله عز وجل كل الأسماء، وأمر الملائكة أن تسجد له، وأعطاه القوانين التي يستطيع أن يحيى بها على الأرض، وبهذا أصبحنا بين رؤيتين متناقضتين تماماً.

ومما يجعل الحديث عن نظرية داروين الآن ليس أمراً مستهلكاً ولا موضوعاً من التراث أنها كلما هاجمها أصحاب الدين انتصر لها العلم، وأثبت وجاهتها أكثر وأكثر، فهو موضوع قديم مستمر، وقد يظن ظان أن هذا الصراع لا ينفك إلا بانتصار أحد الطرفين على الآخر.

ولا أظن أن أحد الطرفين سيُعلن هزيمته أمام الآخر، خاصة أن أصحاب العلم لا ينكرون شيئاً أثبتوا صحته بالطرق العلمية إلا بالطرق العلمية، وأن المتدينون لن ينسوا تلك الصفعة التي أخذوها على حين غِرّةٍ في بداية ظهور هذه النظرية ثم انتشارها على هذا النطاق الواسع.

وأرى الحل في نظرة توافقية تَنهي هذا الصراع، وتُزيل التناقض، وتلغي حالة التنافر بين ما أوجده العلم من مستحدثات وما يؤمن به الفرد من معتقدات.

وهنا أقول إن نظرية داروين أثبتت أن الأكثر قدرة على التكيف مع البيئة هو الأكثر قدرة على البقاء، وأن من لا يتكيف ينقرض. وأقول إن الإنسان هو أكثر المخلوقات قدرة على التكيف فقد استطاع أن يحافظ على بقائه على مر العصور، كما أنه لا يتساوى مع الكائنات الأخرى التي استطاعت أن تحافظ على بقائها، فالإنسان لا يُكَيِّف ذاته حسب الطبيعة وحسب، بل يقوم بتشكيل البيئة لتتناسب مع ذاته، أو ابتكار البيئة في أحيانٍ أخرى.

وبالتالي فإننا لا ننكر وجود تطور في الجينات لدى بعض الكائنات ومن بينها الإنسان الذي يجب أن يكون قد حدث له تطور وارتقاء في جيناته بعضها أو كلها، لكننا لا نغفل أيضاً قدرة الإنسان على خلق بيئة تناسبه، وهو ما لا تستطيعه بقية الكائنات الأخرى؛ وبالتالي أيضاً فإنه يحدث تطور لجينات الإنسان ولا مانع في ذلك، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن بداية الإنسان لابد أن تكون إنسان بدائي أوجدته الطبيعة.

فيجب ألا يكون هناك تعارض بين أن يكون الإنسان الأول هو آدم عليه السلام وبين ارتقاء جينات الإنسان ليتكيف مع بيئته.

إن تبني هذه الرؤية يزيل ذلك الصدام بين العلم والدين، ويعيد لهما روح الوفاق التي يجب ألا تنفك عنهما أبداً، فالكون بالعلم والدين أفضل حالاً من سيطرة أحدهما.

فالكونُ محمولٌ بين جناحَيّ العلم والدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى