
الاخسرين اعمالا
الفصل الرابع
السوشيال ميديا… حين يُصفِّقون للتفاهة
بقلم: سيد جلال الفرماوي
في المساء، جلس يوسف أمام شاشة هاتفه، لا بحثاً عن تسلية، بل عن معنى.
كان يشعر بحاجةٍ ملحّة لأن يقول شيئاً، أن يترك أثراً، ولو خافتاً، في عالمٍ يضجّ بالأصوات.
كتب منشوراً قصيراً على صفحته في «فيسبوك»:
«الخسارة الحقيقية ليست في فقدان الوظيفة، بل في فقدان الثقة بأن الله يراك وأنت تحاول».
انتظر.
مرّت دقائق، ثم ساعة، ثم ساعتان. لم يحدث شيء يُذكر. إعجابان فقط، وتعليق ساخر من أحد زملائه السابقين:
— «كفاية تنظير… الواقع أصعب من كلامك».
تنهد يوسف وأغلق الهاتف للحظة. شعر بثقلٍ في صدره، ليس لأن كلماته لم تلقَ قبولاً، بل لأنه بدأ يشكّ في جدواها.
هل ما يقوله أصبح عبئاً على الناس؟ أم أن الصدق لم يعد سلعة رائجة؟
بدافع الفضول، دخل إلى صفحة أحد «المؤثرين» الذين لا يقدمون سوى مقاطع مستفزة ومقالب فارغة.
المشاهدات بالملايين، والتعليقات تصفق وتضحك. شعر يوسف حينها بغربةٍ قاسية، كأن العالم بأكمله يسير في اتجاهٍ معاكس.
همس لنفسه:
— «حتى الكلمة الطيبة بقت تقيلة؟».
أغلق الهاتف تماماً، وقال بصوتٍ مكسور:
— «لحد هنا يا رب؟ حتى المحاولة دي ما لهاش مكان؟».
لكن كلمات عمه عادت تتردد في ذهنه:
«النجاح ألا تبيع نفسك».
نهض يوسف، توضأ، صلى ركعتين، ثم جلس يقرأ في المصحف. توقفت عيناه عند قوله تعالى:
{إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}.
شعر بشيءٍ من السكينة يتسلل إلى قلبه.
ربما لم يكن مطلوباً منه أن يُقنع العالم…
يكفيه أن يظل صادقاً مع نفسه وربه.
تلك الليلة، نام يوسف للمرة الأولى منذ شهور، دون أن تطارده شاشاتٌ زرقاء أو أسئلة بلا إجابة.
انتظروا …الفصل الخامس





