
حين يصبح الفقد عالماً من الصمت
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
لم يكن الفقدُ في شرعها مجرد غيابٍ عابر لملامح وجهٍ أو صدى صوت، بل كان زلزالاً صامتاً أطفأ في مشكاتها آخر شموع الأمل التي كانت تضيءُ سراديب روحها المظلمة. كانت تلك الشمعة هي الملاذ، هي الخيط الرفيع الذي يربطها بضفة النجاة، وبانطفائها، غرق كل شيء في لجةٍ من العتمة السرمدية.
أما ذلك الصمت الذي يغلف عالمها الآن، فلم يكن يوماً دليلاً على السكينة أو مرادفاً للهدوء؛ بل كان في حقيقته ضجيجاً داخلياً صاخباً، وعواصف هوجاء تلطم جدران قلبها المنهك الذي لم يعد يقوى على المقاومة. إنها الضوضاء التي لا يسمعها أحد، صراخٌ مكتوم يمزق نياط الفؤاد ويترك خلفه حطاماً من الأحلام المنكسرة.
ولم تكن الوحدة في قاموسها فراغاً موحشاً، بل كانت امتلاءً خانقاً.. امتلاءً بفيضٍ من ذكرياتٍ تأبى الرحيل، ذكرياتٍ باتت طعناتها تؤلم أكثر مما تواسي، فكل طيفٍ يمر بخيالها يترك ندبةً جديدة، وكل همسةٍ قديمة تتحول إلى خنجرٍ يغرس في خاصرة الحاضر.
لقد غدت تتنفسُ هواءً بارداً لا حياة فيه، وكأنَّ الرئتين مجرد آلةٍ تعمل بالقصور الذاتي، تسير في دروب الحياة بخطىً مثقلة بالأصفاد الخفية، حتى خُيل إليها أنَّ الأرض الواسعة ضاقت بما رحبت، واستحالت سجناً أبدياً لا مفر من قضبانه، ولا سبيل إلى التحرر من جاذبية الحزن التي تشدها نحو الهاوية.
وعيناها.. تيك اللتان كانتا يوماً مرآةً تعكس بريق الفرح وتلألؤ الشغف، استحالتا بحراً لجيّاً من الحيرة والخذلان، تغرق فيهما نظرات التساؤل المرّ: “كيف صار ما كان؟”. أما صوتها الذي كان يعانق الوجود ويراقص الأثير بمرحه، فقد وهن حتى بات همساً شاحباً، كلماتٍ باهتة لا لون لها ولا طعم، تخرج من ثنايا الروح كزفراتٍ أخيرة لمحتضر.
وقلبها، ذلك الوطن الذي أحب يوماً بلا قيود، وبذل العطاء بلا حدود، صار اليوم حذراً، منكمشاً على ذاته، يخشى الاقتراب ويرتعد من فكرة الانتماء مجدداً. لقد أتقن بناء الأسوار العالية حوله، لا رغبةً في العزلة، بل خوفاً من انكسارٍ أخير لا يجبر.
تقف اليوم أمام مرآتها، فتنظر إلى ذلك الانعكاس الغريب، لتجد ملامح لا تعرفها، عيوناً غادرتها الألفة، وجبهاً سطر عليه الزمان حكايا لا تشبهها. تفتقد ذلك الشغف القديم، وتلك الطاقة الوثابة التي كانت تملأ تقاسيم وجهها بالحياة، فما تراه الآن ليس إلا طيفاً باهتاً، مجرد ظلٍ شاحب لامرأةٍ كانت يوماً ما.. تنبض بكل تفاصيل الحياة.





