اخصائي نفسيالأسبوع العربيروايةقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

الفصل الثالث: من رواية الطيبة والوحش

الفصل الثالث: من رواية الطيبة والوحش
الفصل الثالث: حين يبدأ الوحش في السكون
بقلم / سهير محمود عيد
لم يتغير شيء في الصباح…
وهذا ما كان مخيفًا.
لا صراخ.
لا توبيخ.
لا أوامر.
الوحش كان هادئًا… وهدوؤه دائمًا نذير شؤم.
استيقظ الأول مبكرًا على غير عادته، ارتدى ملابسه ببطء، لا موسيقى، لا ضحك، لا سؤال.
والثاني جلس على حافة السرير طويلًا، ينظر إلى الحائط كأنه يحفظه عن ظهر قلب.
على مائدة الإفطار، جلسوا جميعًا.
وضع الوحش كوب الشاي أمامه، شرب رشفة واحدة، ثم قال فجأة وكأنه يتحدث عن الطقس:
— «مش عايز أشوف موضوع بطولة ولا تفوق تاني… ركزوا في الحاجات اللي ليها قيمة.»
لم يرفع أحد عينيه.
لم يعترض أحد.
حتى أنا… صمتُّ.
لكنني رأيت شيئًا لم أره من قبل.
الاستسلام.
لم يعد في عيونهم ذلك التحدي الصغير، تلك الشرارة التي تقول سأثبت لك.
كان هناك شيء أخطر…
قناعة خفية بأن المحاولة بلا جدوى.
في المدرسة، اتصلت بي المُدرّسة.
صوتها كان حذرًا، كأنها تخشى أن تتهم طفلًا بجريمة.
— «ابنك… مش زي الأول.»
— «يعني إيه؟»
— «مش بيرفع إيده، مش بيشارك، حتى لما يعرف الإجابة، بيبص في الأرض.»
أغلقت الهاتف، وقلبي يرتجف.
الوحش لم يكسّرهم بالصراخ…
بل بالتصغير المستمر.
في المساء، سمعت ضحكة عالية من غرفة المعيشة.
ضحك الوحش.
كان يشاهد مباراة، يصفق، يعلّق، يعيش لحظة انتصار ليست له.
مررت بجوار غرف الأولاد.
صمت.
طرقت الباب.
دخلت.
كان الأول يمزّق ورقة صغيرة، تلو الأخرى.
سألته:
— «بتعمل إيه؟»
قال بهدوء مرعب:
— «واجب الرياضة… مش هسلمه.»
— «ليه؟»
— «حتى لو حليته صح… مش هيفرق.»
أما الآخر، فكان يمسح ميداليته بقطعة قماش، ثم فجأة رماها في الدرج وأغلقه بعنف.
— «مش عايز أشوفها.»
سألته:
— «ليه؟ دي تعبك.»
رد دون أن ينظر إليّ:
— «التعب اللي ما يعجبش بابا… مالوش لازمة.»
في تلك اللحظة، شعرت أن الوحش انتصر.
ليس لأنه أقوى…
بل لأننا تركناه يزرع أفكاره داخلهم.
عدت لغرفتي، نظرت في المرآة طويلًا.
لم أرَ امرأة ضعيفة.
رأيت أمًا متواطئة بالصمت.
سألت نفسي لأول مرة بصدق موجع:
هل خوفي من غضبه… أهم من خوفى عليهم؟
في الليل، سمعت الأول يبكي.
بكاء مكتوم، كأنه يعتذر عن وجوده.
اقتربت من الباب، سمعت همسًا:
— «أنا تعبت من إني أحاول.»
جلست على الأرض.
وضعت يدي على فمي كي لا يسمعوا صوت انهياري.
في تلك الليلة، فهمت أن الوحش لا يحتاج أن يصرخ دائمًا.
أحيانًا… يكفيه أن ينجح مرة واحدة في جعل الأطفال يكرهون أنفسهم.
وعرفت أن القادم لن يكون عنهم…
بل عني.
عن اللحظة التي إمّا أكسر فيها الدائرة…
أو أسمح لها أن تبتلعنا جميعًا.
يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى