الأسبوع العربيقصة قصيرةقصص وروايات

انكسر الكبرياء تحت دموع اللهب

“حين تبكي النار، نعلم أن القلوب قد انتصرت!

قلم/وائل عبد السيد

قصة قصيرة عن التضحية التي هزت عرش اللهب.حين انكسر الكبرياء تحت دموع اللهب ليلة انكسار اللهب:

حين بكت النار

في غابر الأزمان، حين كان للعناصر صوت وقلب، كانت النار تمشي بزهوٍ فوق الأرض. كانت ترى نفسها ملكة الوجود، تاجها من شرر، وردائها من لهيب لا يرحم. لم تكن النار تعرف معنى “الخوف”، ولم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهها؛ فكل من واجهها صار رماداً تذروه الرياح.

في ليلة عاصفة، اجتاحت النار وادياً قاحلاً إلا من شجرة سدرٍ عتيقة، كانت تقف بشموخ رغم ذبول أغصانها. وفي قلب تلك الشجرة، كان هناك عصفور صغير، كسرت العواصف جناحه، فاستسلم لقدره وقبع يحمي بيوضه بصدغه الضعيف.

المواجهة

اقتربت النار، وصوت طقطقتها يشبه ضحكات ساخرة. قالت للنار بصوتٍ يملأ الأفق دخاناً:

“أيتها الشجرة، تنحي عن طريقي، فإني لا أرى فيكِ إلا وقوداً لعرشي، ولا أرى في هذا العصفور إلا رماداً تافهاً!”

ردت الشجرة بوقار الصابرين: “أيتها النار، القوة ليست في من يحرق، بل في من يحمي. ارحمي ضعف هذا الطائر، فإنه لا يملك إلا الحب سلاحاً.”

ضحكت النار حتى تطاير شررها للسماء: “الحب؟ ما هو الحب أمام جبروت لهيبي؟ سأحرقكما معاً لتعلما أن الرحمة ضعف، وأن السطوة هي البقاء.”

اللحظة الفاصلة

اندفعت النار، ولامست أولى ألسنتها أغصان الشجرة. وفي تلك اللحظة، حدث ما زلزل كيان النار؛ لم يهرب العصفور، ولم يصرخ خوفاً. بل فرد جناحيه المكسورين فوق عشّه، وأغمض عينيه في سكينةٍ عجيبة، وكأنه يقول للنار: “أحرقي جسدي، لكنكِ لن تصلي إلى من أحب.”

هنا.. ولأول مرة منذ خُلقت، توقفت النار. شعرت بحرارةٍ أغرب وأقوى من لهيبها؛ إنها حرارة الروح التي لا تطفئها النيران. رأت النار في صمود العصفور عظمةً افتقدتها في جبروتها. شعرت بصغر حجمها أمام “تضحية” كائنٍ لا يملك شيئاً.

الدموع الحارقة

انطفأ وهج الغرور في قلب النار، وبدأت ألسنتها تتقلص وتخبو. وللمرة الأولى في تاريخ الكون، سقطت من قلب اللهب قطرات سائلة، لم تكن ماءً، بل كانت حمماً من الدموع. بكت النار ندماً، لأنها أدركت أن كل “انتصاراتها” السابقة كانت هزائم، وأنها رغم قوتها، هي الوحيدة التي لا تملك “قلباً” يحب ويُحب.

تراجعت النار بوقار، تاركةً الشجرة والعصفور في سلام، ومضت وهي تهمس: “ويلٌ لقوةٍ لا تمنح الدفء، وتباً لعرشٍ يُبنى على الرماد.”

انكسر الكبرياء تحت دموع اللهب
انكسر الكبرياء تحت دموع اللهب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى