
حكايه مثل :
“””اللي اختشوا ماتو”””
🖊/عماد سمير
في تراثنا الشعبي آلاف الأمثال التي تختصر حكمة العصور، لكنها قليلة تلك التي استطاعت أن تعيش في الذاكرة الجمعية مثل المثل المصري الشهير: “اللي اختشوا ماتوا”. مثل يقال عندما نشاهد تصرفات تخلو من الحياء، أو مواقف تجاوز فيها البعض حدود الخجل والضمير، فيخرج المثل تلقائياً من أفواه الناس كأنه صرخة تحذير: أين ذهب الحياء؟
تعود قصة هذا المثل إلى حادثة حقيقية وقعت في أحد الحمّامات النسائية في العصر العثماني. كان الحمّام مكاناً مغلقاً لا يدخله إلا النساء، وداخل هذا الفضاء الآمن كنّ يستحممن دون ملابس. وفي يوم من الأيام شبَّ حريق مفاجئ داخل الحمّام، فعمَّ الدخان واشتعلت النيران، وانتشر الصراخ والفزع بين النساء.
وجدت السيدات أنفسهن أمام معضلة قاسية:
إما أن يهربن فوراً إلى الشارع لإنقاذ حياتهن، وهن في حالة لا تسمح بالخروج أمام الناس،
وإما أن يظللن داخل الحمّام حفاظاً على حيائهن… والموت يقترب.
وبين الخوف والحياء، اختارت بعضهن البقاء داخل الحمام رفضاً للخروج مكشوفات، فاختنقن بالنار والدخان. أما من تغلبت فيهن غريزة النجاة على الخجل فخرجن ونجون. وخرج الناس يومها يرددون بمرارة:
“اللي اختشوا… ماتوا.”
تحول هذا الحدث مع الزمن إلى حكمة تُقال عندما يغيب الحياء من بعض المواقف، ويُقصد بها أن أصحاب الخجل الحقيقي رحلوا، وأن ما بقي يثير العجب من جرأته وسلوكه.
ورغم مرور عشرات السنين، ما زال المثل حيًّا يُستخدم يومياً في الشارع المصري، يُقال عند رؤية تجاوزات أخلاقية أو مواقف تثير الدهشة، كأنه مرآة تكشف التغير الاجتماعي وتراجع قيمة الحياء.
إن قوة هذا المثل لا تأتي فقط من قصته المؤلمة، بل من دلالته العميقة:
فالحياء قيمة إذا غابت، ضاعت معها الكثير من المعاني الجميلة في المجتمع.
هكذا يبقى المثل الشعبي شاهدًا على تاريخنا، وجرس إنذار يذكّرنا بأن الأخلاق ليست تفصيلاً صغيراً، بل أساس يُبنى عليه كل مجتمع يحترم نفسه.





