أدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالات

حياة بلا حيرة “الطمأنينة”

في لحظة من لحظات الصفاء، حين يكون العقل منشغلا بصخب الحياة وهمومها، يطل سؤال هادئ وكأنه همسة في أذن الروح: كيف ستكون الحياة لو استيقظ الإنسان مطمئنا، ونام مطمئنا؟

كتب باهر رجب

إنها ليست مجرد لحظات عابرة من الرضا، بل هي حالة من الاستقرار الوجودي النادر في زمننا هذا. إنه ذلك الإحساس العميق بأنك في المكان المناسب، مع الأشخاص المناسبين، تفعل ما من المفترض أن تفعله، دون حيرة تلتهم القلب، أو شكّ يمزق الطمأنينة.

تخيل أن تفتح عينيك في الصباح، ليس بدافع الروتين أو الخوف من تأخرك عن العمل، بل بدافع من شعور داخلي بأن يومك ينتظرك ليضيف إلى عالمك شيئا ذا معنى. تخيل أن كوب القهوة الصباحية لا يكون وسيلة لمقاومة النعاس، بل طقسا للاستمتاع بلحظة هدوء قبل انطلاقك إلى عالم تشعر فيه بأنك جزء فاعل، لا ترسا في ماكينة ضخمة.

هذه الطمأنينة ليست ترفا فلسفيا، بل هي حاجة إنسانية أساسية، كالماء والهواء. فالإنسان الذي يشعر بالأمان النفسي و المكاني، هو إنسان قادر على العطاء، على الإبداع، على مواجهة تعاسته اليومية وتحديات الحياة لأنه يملك قاعدة صلبة يعود إليها. إنه الثقة بأن الأرض تحت قدميه لن تتهاوى، وأن الجدران التي تحيط به لن تتداعى فجأة.

لكن الواقع المعاصر، للأسف، يصنع النقيض من هذه الصورة. لقد أصبحنا نعيش في عالم من اللااستقرار، حيث الحيرة هي سيدة الموقف. حيرة في العمل، في العلاقات، في الهوية، المكان الذي نختار أن نطلق عليه لقب “الوطن”. صرنا كمسافرين في محطة قطارات ضخمة، تتداخل فيها الوجهات وتضيع اللوحات الإرشادية، فنجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة من التساؤل: هل هذه هي القاطرة الصحيحة؟ هل أنا في المكان الذي يجب أن أكون فيه؟

هذه الحيرة المستمرة تستنزف طاقاتنا النفسية قبل المادية. فهي تتركنا في حالة تأهب دائم، كجندي في ساحة معركة لا يعرف من أين سيأتي العدو. وفي هذه الحالة، كيف لنا أن نبدع؟ كيف لنا أن نحلم؟ كيف لنا أن نجد متعة في التفاصيل الصغيرة للحياة بينما السؤال الكبير معلق مثل سحابة سوداء فوق رؤوسنا؟

فما هو الحل؟ كيف نعثر على هذه اليوتوبيا الشخصية، هذه الجزيرة المطمئنة في بحر من الاضطراب؟

الحل يبدأ من الداخل. فالمكان المناسب ليس بالضرورة موقعا جغرافيا على الخريطة، بل هو حالة من الانسجام بين ما نريده وما نعيشه. هو أن نجد عملا لا نعد الساعات فيه حتى نهاية الدوام، بل ننغمس فيه حتى ننسى الوقت. هو أن نبني علاقات تكون ملاذا لنا، لا مصدراً للقلق. هو أن نتعلم كيف نصنع السلام مع ذواتنا، حتى لو كان العالم من حولنا في حالة فوضى.

إنها رحلة بحث شاقة، تتطلب شجاعة لنكتشف ما نريده حقا، وشجاعة أكبر لنتخلى عن كل ما هو مألوف لكنه لا يخدم طمأنينتنا. قد تضطر إلى تغيير وظيفتك، أو الانتقال إلى مدينة أخرى، أو حتى البدء من جديد. لكن الثمن، رغم غلائه، لا يقارن بثمن أن تعيش حياتك كلها وأنت تشعر أنك في المكان الخطأ.

في النهاية، الحياة قصيرة جدا لكي نعيشها ونحن نحمل في صدورنا ذلك الثقل، ذلك الشعور المستمر بأننا ضائعون. الحياة تستحق أن نستيقظ فيها مطمئنين، وننام مطمئنين. تستحق أن نأكل ونشرب ونسير في الشوارع ونحن نعلم، في أعماقنا، أننا على الطريق الصحيح. طريق قد يكون وعرا، لكنه طريقنا نحن، يقودنا إلى بر الأمان حيث نستطيع، حقا، أن نتخطى تعاسة الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى