كتبت/ لينا أحمد دبة
في وطنٍ يئنّ تحت وطأة الحرب، تتلاشى ملامح الحياة شيئًا فشيئًا، وتبقى الأم والطفل في مواجهة أعنف اختبارٍ للإنسانية. في السودان، حيث اختلطت رائحة التراب برائحة البارود، تولد قصص لا تُروى إلا بالدموع، عن نساءٍ فقدن المأوى، وأطفالٍ كبروا قبل أوانهم، في عالمٍ سُلبت منه الطفولة.
الأم السودانية اليوم لم تعد تفكر بما كانت تفكر به بالأمس. لم تعد أحلامها تدور حول تعليم أبنائها أو مستقبلهم، بل حول لقمةٍ تسد جوعهم ومأوى يحميهم من ليلٍ بلا أمان. هي تحمل طفلها في رحلة نزوح طويلة، لا تعرف أين تبدأ ولا متى تنتهي، لكن عينيها تقولان شيئًا واحدًا: “سأحميك ما حييت.”
أما الأطفال، فالحرب سلبت منهم الحق في اللعب والضحك والدهشة. صاروا يحفظون أصوات الرصاص أكثر من أناشيد الصباح. يتقنون لغة الخوف قبل أن يتعلموا القراءة، ويعرفون معنى الفقد قبل أن يعرفوا معنى الأمل. في مخيمات النزوح، يرسمون على التراب وجوه آبائهم الذين لم يعودوا، ويغفون على حكاياتٍ مبتورة لا نهاية سعيدة فيها.
الوجع النفسي الذي تحمله الأمهات يتجاوز حدود الاحتمال. فكيف لقلبٍ أنهكه الفقد أن يظل دافئًا؟ وكيف لامرأةٍ فقدت كل شيء أن تظل قادرة على الابتسام لطفلها؟ لكنها تفعل. تقاوم اليأس بصمتٍ نبيل، وتخفي دموعها حتى لا يقرأها الصغار خوفًا. في كل لحظة، تخوض معركةً غير مرئية — معركة الحفاظ على إنسانيتها وسط عالمٍ يتداعى من حولها.
في المخيمات البائسة، تتحول الأم إلى مدرسةٍ للحياة، تُعلّم أبناءها أن الخير لا يموت، وأن الأمل يمكن أن ينبت في قلب الرماد. تعانق طفلها في كل مساء وكأنها تُخاطب الله سرًا: “احفظ له ما تبقى من براءته.” فالأم تعرف أن الدمار الحقيقي ليس في البيوت التي تهدمت، بل في النفوس التي تُكسر دون دواء.