أخبارأخبار الأسبوع

تهويد الأرض والإنسان

تهويد الأرض والإنسان

كتب: إبراهيم رمضان الهمامــــــي

واصل الكيان الصهيوني تهويد أرض فلسطين بشكل متواصل وحثيث منذ لحظة اغتصابها، في محاولة لاقتلاع هويتها العربية والإسلامية ومحْو معالمها الحضارية الممتدة عبر آلاف السنين. فمنذ العام 1948، حينما أُعلنت “دولة إسرائيل” على أنقاض القرى والمدن الفلسطينية المدمّرة، وضع الاحتلال يده على نحو 96% من الأراضي التي سيطر عليها آنذاك. لم تكن تلك الأراضي مجرد مساحات جغرافية، بل كانت بيوتًا للفلسطينيين ومصادر رزقهم، وحقولهم ومزارعهم، ومساجدهم وكنائسهم، بل ومعظم الأوقاف الإسلامية التي تمتد جذورها إلى عصور الفتح الإسلامي وما بعده. ومع هذا الاستلاب، جرى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين قسرًا فيما عُرف بالنكبة، وأصبحوا لاجئين في الشتات، بينما استولى المحتل على ممتلكاتهم وشرّع لنفسه قوانين باطلة لتثبيت هذا الاستيلاء.

ولم يكتفِ الاحتلال بسرقة الأرض، بل عمل على إعادة تشكيلها بما يخدم مشروعه الاستيطاني الإحلالي. فأنشأ منذ الأيام الأولى مئات المستوطنات والمدن اليهودية على أنقاض القرى الفلسطينية المهجرة، في محاولة لطمس كل أثر للوجود الفلسطيني. كان الهدف واضحًا: تحويل الأرض الفلسطينية إلى “أرض بلا شعب” يسكنها مهاجرون جُلبوا من أصقاع العالم ليحلّوا محل أصحاب الأرض الأصليين، في واحدة من أكبر عمليات التزوير الجغرافي والتاريخي التي عرفها العصر الحديث.

ومنذ حرب 1967، ومع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، تسارعت وتيرة التهويد بشكل أكبر، إذ عمد الاحتلال إلى مصادرة مساحات واسعة من الضفة الغربية تحت ذرائع أمنية وقانونية زائفة. بنى الاحتلال أكثر من 160 مستوطنة ضخمة، إضافة إلى مئات البؤر الاستيطانية الأخرى، وشرع في إقامة جدار الفصل العنصري الذي يقطع أوصال الضفة ويحوّل المدن والقرى الفلسطينية إلى جزر معزولة ومحاصرة. هذا الجدار، مع مئات الحواجز العسكرية المنتشرة في كل مكان، جعل حياة الفلسطينيين اليومية أشبه بمعاناة دائمة، حيث صودرت مصادر المياه والموارد الطبيعية، وسيطر الاحتلال على الأراضي الخصبة والمرتفعات الاستراتيجية، تاركًا الفلسطينيين في معازل مكتظة، محاصرة بجدران وأسلاك شائكة.

لقد سعى الاحتلال، عبر هذه السياسات، إلى تهجير الإنسان الفلسطيني ببطء، ودفعه نحو اليأس والرحيل القسري، في الوقت الذي كان يستجلب فيه مئات الآلاف من المهاجرين اليهود من شتى أنحاء العالم. فمنذ عام 1948 وحتى اليوم، فُتحت أبواب الهجرة اليهودية على مصراعيها، حتى بلغ عدد من استُجلبوا إلى فلسطين ما يزيد عن ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهاجر. ومع بداية سنة 2025، يتجاوز العدد الكلي لليهود في فلسطين المحتلة سبعة ملايين ومائتين وثلاثين ألفًا، في مقابل استمرار الفلسطينيين في التشتت بين الداخل والشتات، يعيشون مرارة الاحتلال واللجوء.

إن مشروع التهويد ليس مجرد مشروع استيطاني محدود، بل هو خطة ممنهجة لاقتلاع الأرض والإنسان الفلسطيني معًا. الأرض تُصادر وتُزرع بالمستوطنات، والتاريخ يُشوَّه، والمعالم تُمحى، فيما يُحاصر الفلسطيني في وطنه ويُضيَّق عليه حتى يغدو غريبًا في أرضه. إنها محاولة مستمرة لطمس الهوية العربية والإسلامية لفلسطين، وفرض واقع استعماري جديد يتجاهل كل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية. وبينما يدّعي الكيان الصهيوني أنه “ديمقراطي”، فإنه يكرّس واحدًا من أبشع أنظمة التمييز العنصري في العصر الحديث، حيث تُبنى الحقوق على أساس الانتماء الديني والعرقي، ويُحرم الشعب الأصيل من أبسط مقومات الحياة.

ومع ذلك، ورغم كل محاولات الطمس والاقتلاع، ظل الشعب الفلسطيني متشبثًا بأرضه وهويته، يقاوم الاحتلال بكل السبل المتاحة، ويحافظ على ذاكرته الجماعية وقضيته العادلة. فقد أثبتت التجارب أن تهويد الأرض لا يمكن أن يقتلع الإنسان الفلسطيني، وأن كل محاولات الاحتلال لفرض واقع جديد ستظل عاجزة أمام إرادة شعب يرى في أرضه تاريخًا ومستقبلًا وهوية لا يمكن التفريط بها.

رجب حموده

ريس قطاع شمال الصعيد للاسبوع العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى