في غزة، حيث يصير الصباح نداءً للنجاة والمساء مرآة للدمع، يقف الصحفي لا كناقل خبر، بل كجسر بين الحقيقة والعالم. لا يحمل الكاميرا فقط، بل يحمل روحه بين كفيه، يمضي بها إلى الميدان، مدركًا أن كل خطوة قد تكون الأخيرة.
المراسل في غزة لا يرتدي الخوذة فقط ليروي، بل ليروي الحكاية التي يريد الاحتلال طمسها. هناك، تُقصف الكلمة كما تُقصف البيوت، ويُستهدف الحبر كما يُستهدف الدم.
شهداء الحقيقة
سقطوا واحدًا تلو الآخر، ولم يسقطوا وحدهم. سقطت معهم الصور التي لم تُلتقط بعد، والقصص التي لم تُكتب، والصراخ الذي لم يُسمع. يوسف أبو حسين، رائد الشريف، ياسر مرتجى، وآخرون كُثر… حملوا الكاميرا كما يُحمل السلاح، وكانت الكلمة عندهم أشرف من أي رصاصة. لم تكن مصادفة أن يُغتالوا، بل كانت رسالة أراد الاحتلال بها أن يُخرس العدسة.
لكنهم لم يموتوا. كل صورة نقلوها صارت حياة، وكل مشهد التُقط في الظلام صار نورًا يُشعل ضمائر العالم. هم شهداء الكلمة، منقذو الحقيقة من براثن النسيان.
الأحياء بين الرماد
أما من ظلوا أحياء، فليتهم نعموا بالسلام. إنهم يعيشون الموت يوميًا، لا لأنهم يخافونه، بل لأنهم شهدوا ما يكفي ليُمزق القلب ألف مرة. يركض المراسل في غزة ليسبق القصف، ليوثق ما يخشاه العالم، ليصرخ بالنيابة عن الجثث تحت الركام.
مع كل تقرير يُعد، هناك ألف عائق: انقطاع الكهرباء، ضعف الإنترنت، الخطر المحدق، قمع الصوت، وحرمان أبسط أدوات العمل. ومع كل ذلك، يصمد. لا لأن الصمود اختيار، بل لأنه واجب، لأن الكلمة حين تُقهر يُقهر الوطن.
صمود من نوع آخر
ما يفعله مراسلو غزة ليس مجرد مهنة، بل مقاومة. إنهم الجنود الذين لا يحملون بندقية، لكنهم يحملون الحقيقة. يكتبونها بالدمع، يصورونها وسط الغبار، ويرسلونها إلى العالم، عسى أن تُفيق الضمائر.
كم مرة كتبوا تحت القصف؟ كم مرة ودّعوا زميلاً لم يكمل البث؟ كم مرة فكروا في الرحيل، ثم بقوا لأن الوطن لا يُترك وهو ينزف؟ صمودهم لا يعلنه الإعلام، لكنك تراه في عيونهم، في نبرة صوتهم المرتجف، في يد ترتجف بالكاميرا لكن لا تسقط.
إصرار لا يعرف الانكسار
هم يعرفون أن الصورة وحدها لا تغيّر العالم، لكنهم يؤمنون أن تجاهلها يقتله. لذلك، يصورون كل شيء: الطفل تحت الركام، الأم الثكلى، اليد المرفوعة في وداع، السماء المحمّلة بالدخان، وصوت الأذان يخترق الحطام.
يعرفون أنهم وحدهم في المعركة، لكنهم لا يتراجعون. لأنهم أدركوا أن الحقيقة أقوى من القذائف، وأن التاريخ لا يُكتب بالرصاص، بل بمن نقل آثار الرصاص.
في الختام…
المراسلون في غزة ليسوا مجرد ناقلي أخبار، بل هم حُماة الحقيقة، شهود على الجرح، وصوت لا يُخفت. لا يريدون شهرة، ولا يسعون إلى جوائز. كل ما يطلبونه أن يُصدَّقوا، أن يُرى ما نقلوه، أن يُدرك العالم أنهم هناك، لا يموتون فقط، بل يُقتلون لأنهم أحياء أكثر مما ينبغي.
وستبقى عدساتهم مشرعة، في وجه الظلم، في وجه الخذلان، لأن في غزة…