
رشوان توفيق.. الإنسان الذي سبق الفنان
بقلم: سهام محمد راضي
ولد الفنان القدير رشوان توفيق في الثاني من فبراير عام 1933 بحي السيدة زينب، في قلب القاهرة القديمة، لأبٍ كان محبًا للفن والمسرح، ولامرأة طيبة تقية يُقال عنها إنها كانت من أولياء الله الصالحين. نشأ في بيتٍ متواضع، لكنه زاخر بالقيم والتدين، واكتسب منذ طفولته ملامح الشخصية الهادئة، المحبة، النبيلة، التي لازمته طوال مسيرته.
رغم أن ميوله الأولى كانت أدبية، والتحق في البداية بكلية الحقوق، فإن حب الفن تغلغل في أعماقه مبكرًا، فترك الحقوق والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ضمن دفعة ضمت عمالقة فيما بعد، منهم عبد الرحمن أبو زهرة وعزت العلايلي.
بدأ رشوان توفيق حياته الفنية من التلفزيون المصري، حيث عمل مساعد مخرج، ثم اجتاز اختبارات المذيعين، قبل أن يتألق ممثلًا على خشبة المسرح، ثم في الدراما التلفزيونية والسينما. كان ظهوره الأول في مسرحية “شيء في صدري”، ومن بعدها بدأت رحلة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود.
قدم خلال مسيرته عشرات المسلسلات الخالدة، أبرزها “الضوء الشارد”، “الليل وآخره”، “هارون الرشيد”، “الإمام الشافعي”، “رأفت الهجان”، و”ضمير أبلة حكمت”. أما في السينما، فكانت له بصمات واضحة في أفلام منها “جريمة في الحي الهادئ”، “الناصر صلاح الدين”، و”ثمن الحرية”، وكان دائمًا ما يختار أدوارًا ذات عمق إنساني وأخلاقي.
ما ميّز رشوان توفيق لم يكن فقط أداؤه المتقن، بل تواضعه اللافت، وثقافته العميقة، وإيمانه الصادق. كان يُعرف في الوسط الفني بلقب “الشيخ المتصوف”، ليس لأنه كان يلبس عباءة التصوف، بل لأن سلوكه كان زاهدًا، ولسانه لا يخرج منه إلا كلمات الرحمة والود والرضا.
تربى في داخله وجدان صوفي، فكان إذا تحدث عن الله والقدر، تشعر أنه ليس ممثلًا بل حكيمًا يعيش في معية الرحمن. حج بيت الله الحرام عدة مرات، وكان يروي رؤاه الروحية ببساطة من عاشها بإخلاص. وفي مواقع التصوير، كان يقود زملاءه في الصلاة، ويحرص على الدعاء للجميع، دون تكلّف أو استعراض.
أما على المستوى الأسري، فقد عاش قصة حب نادرة مع زوجته التي استمرت معه ستة عقود. كانت رفيقة دربه، ومصدر سعادته، ولم تفارق حديثه حتى بعد رحيلها. ولعل أشد ما آلم الجمهور هو متابعته للخلاف القضائي المؤسف بينه وبين ابنته، لكنه تعامل معه بأدب يليق برجل مؤمن، دون أن يخوض في تفاصيل مؤذية أو كلمات جارحة.
رشوان توفيق لم يكن فقط وجهًا مألوفًا على الشاشة، بل كان أبًا لكل جيل جديد في الفن. لم يكن يبحث عن البطولة المطلقة، بل عن الدور الصادق، ولذا ظل طوال عمره محبوبًا، محترمًا، لم تُمس سمعته بسوء، ولم يُذكر اسمه إلا مقرونًا بكلمة “القدر” و”الرضا”.
اليوم، بعد هذه المسيرة المضيئة، يمكننا القول إن رشوان توفيق ليس مجرد ممثل، بل أحد رموز الطهارة الإنسانية في زمن صاخب، علّمنا أن الأضواء لا تصنع القيمة، بل الروح. وأن الاحترام لا يُشترى، بل يُزرع ويحصد بمحبة الناس.
تحية تقدير لرجل لم ينسَ الله في حياته، فلم ينساه الناس في قلوبهم.





