كتب محسن محمد
لا تزال بعض المجتمعات العربية، ولا سيما في الأرياف والمناطق المهمّشة، ترزح تحت نير عادة قديمة تُعرف بـ”الثأر”، حيث تتحوّل الجريمة الواحدة إلى سلسلة من الجرائم، ويصبح الدم هو الحكم، بدلًا من القانون.
الثأر ليس مجرد فعل انتقامي، بل هو ثقافة متوارثة تقوم على مفاهيم مغلوطة للكرامة والشرف، وتُرسّخها العادات والتقاليد في أذهان النشء منذ الصغر، حتى يصبح القتل “فرضًا عائليًا” لا يُقبل التهاون فيه. وفي كثير من الحالات، لا يُقتل الجاني الحقيقي، بل يُنتقم من أحد أقاربه، فيُزهق دم بريء لا ذنب له سوى أنه وُلد في العائلة “الخطأ”.
إن الآثار المترتبة على الثأر كارثية على المجتمع، فهو يزرع الخوف، ويفكك الروابط الاجتماعية، ويهدر الأرواح، ويحوّل الأبرياء إلى سجناء داخل بيوتهم، محرومين من التعليم والعمل والحرية، تحت تهديد رصاصة قد تأتي من حيث لا يُحتسب.
والمشكلة الأعمق أن الثأر لا يقتصر على الأفراد، بل ينتقل من جيل إلى جيل، ليخلق دائرة دموية لا تنتهي. فكل طفل ينشأ في بيئة الثأر، يرضع من ثدي الحقد، ويُربّى على وجوب الانتقام، لا على ثقافة التسامح أو الرجوع إلى الدولة والقانون.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، لا بد من تبنّي استراتيجية شاملة، تبدأ أولًا بإعلاء سيادة القانون وتسريع إجراءات التقاضي، فغياب العدالة أو بطؤها هو الوقود الحقيقي للثأر. كما ينبغي دعم جهود الصلح العرفي، ولكن تحت إشراف الدولة وبما لا يُهدر حقوق الضحايا.
أما على المستوى الثقافي، فالمعركة طويلة. يجب أن نخوضها من خلال المدارس، والمساجد، والإعلام، والدراما، وكل أداة تؤثر في الوعي الجمعي. نحتاج إلى خطاب جديد يُعيد تعريف “الرجولة” و”الكرامة” بعيدًا عن رائحة البارود، ويُرسّخ قيمة التسامح كقوة لا كضعف.
إنها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، بين القانون والضمير. فإما أن نُطفئ نار الثأر بالعقل والعدل، أو نتركها تحرق أبناءنا واحدًا تلو الآخر.
الرئيسية : الحجامة والطب البديل
المركز الصيني للحجامة والطب التكميلي
احجز جلسة حجامة أو إبر صينية بالجيزة
يمكنك متابعتنا على صفحتنا في فيسبوك





