
فلسفة اللذة والألم وثقافة الدوبامين
دراسة وتحليل : د/علوي القاضي.
واستكمالاً للٱراء السابقة للفلاسفة بنتام وستيوارت واسبينوزا ونظرياتهم في علاقة اللذة والألم بالأخلاق ونظرية المنفعة ، وقد أسهبنا في شرحها شرحًا وافيًا
ولم يقتصر الأمر على هؤلاء الفلاسفة في وضع تفسير ومنهج يحكم فكر الإنسانية وسلوكها وعلاقته مع مبدأ اللذة والألم ، فإن معظم الفلاسفة قد أدلوا بدلوهم فقالوا عن اللّذة والألم :
قال أبيقور ، أنه ليست أيّة لذّة شرًا في ذاتها ، ولكن بعض الأشياء القادرة على توليد اللّذة قد تحمل معها من الآلام أكثر ممّا تحمله من اللّذات
وأضاف كريسون ، أن أهم ماتختصّ به اللّذة أنّها حالة عابرة ، وأن فكرة اللّذة الدائمة فكرة متناقضة
ولكن أندري جيد ، يعتقد أنه ليس سرّ السعادة في السعي إلى اللّذة ، وإنّما سرّها في التلذّذ بالسعي ذاته
وينصحنا مالبرانش ، أنه يجب أن نسمي الأشياء ونذكرها كما هي ، فاللذة هي دائمًا خير ، والألم هو دائمًا شرّ ، ويرى أنه ليس من المفيد دائمًا أن نتمتّع باللّذة ، ومن المفيد أحيانًا أن نتكبّد الألم
وينقل لنا ألفريد دي موسيت من خبرته فيقول أن الإنسان تلميذ والألم معلّمه ، ولا أحد يعرف نفسه طالما لم يتألّم
وكان في فلسفة جون لوك توجه مختلف تماما ، فيرى أن الأخلاق هي أخلاق اللذة والألم ، فالخير يجلب اللذة ، والشر يحدث الألم ، ولكن عمل الخير يجب أن يتفق مع القانون ، ولذلك يؤكد أن هنالك ثلاثة أنواع من القواني :
القانون الإلهي الذي يأمرنا بطاعة الأوامر الدينية
والقانون المدني الذي يحدد الأفعال التي تتفق مع القانون وتلك التي تخالفه
و قانون الرأي العام الذي يشير إلى الأفعال النافعة بالنسبة للإنسان ، والتي لاتختلف عادة مع القانون الإلهي وقانون الطبيعة
ويقول الفيلسوف الإيطالى سينيكا ، أننا نسمي الإنسان سعيداً إذا كان مدركا للحقيقة ومتحررًا من سيطرة الرغبات والأحاسيس والألم والخوف ، وإلا سيكون كالبهيمة مع فرق واحد وهو أن البهائم تفتقر إلى العقل ، في حين أنه هو يسيء إستعمال عقله فلا أحد يمكن أن يدعي أنه سعيد إذا كان جاهلاً في الحقيقة ، وخصوصا حقيقة ذاته ، ذلك أن أساس الحياة السعيدة هو الإستقامة وسلامة الحكم
فمن هو الإنسان المالك لزمام ذاته الذي يقبل أن يبقى تحت سيطرة أحاسيس الجسد؟! ، لن تكون النفس إلا أكثر تعاسة إذا أصرت على السعي وراء اللذة المادية ، كما أننا لن نكون سعداء من دون العقل السليم ، فإذا مابالغنا في التفكير في المستقبل وبناء الآمال ، فسيكون ذلك مصدر آلام ، لذلك سنكون سعداء إذا قبلنا بحاضرنا مهما كان ، وإذا أحببنا مانحن عليه ، ونكون سعداء أخيراً عندما نترك للقدر ثم العقل مهمة تدبير جميع مايتعلق بوجودنا
ويتفق كل من نيتشه دوستويفسكي على أن اللذة والألم لايمكن فصلهما عن بعضهما البعض ، بمعنى أن التجارب الحقيقية للحياة تشمل وجهان مختلفان من نفس العملة ، ولا يمكن أن تكون هناك لذة دون ألم ، ويشددون أيضًا على أن تحقيق اللذة الحقيقية يتطلب مواجهة وتحمل الألم والصعاب ، ويقول نيتشه ، إن اللذة والألم مرتبطان بقوة معاً ، من يريد أكبر كمية ممكنة من المتعة عليه أن يقبل بكمية تساويها من الألم والوجع ، ويقول دوستويفسكي ، اللذة الحقيقية لا تأتي من الهروب من الألم ، بل من مواجهته والتغلب عليه
تلك الٱراء والأقوال تذكرنا بأن الحياة ليست مستقيمة ومثالية دائمًا ، بل هناك أوقات مليئة بالألم والمتاعب ، وربما في مواجهة تلك التجارب القاسية يمكننا أن نجد اللذة والسعادة الحقيقة
ويغلب على فلسفة شوبنهاور الإجتماعيه عداءه الشديد للنساء ، ويظهر ذلك جليا من خلال أقواله التالية :
أولًا ، حياة الوحدة مصير كل الأرواح العظيمة ، وأن العزلة هي طريق السُّمو الأخلاقي ، وأن الإبتعاد عن الناس يدل على المجد والعَظَمة ، وأن التعامل مع الناس سبب كل الشرور والمشاكل والمعاناة
ثانيًا ، يمكن للمرء أن يكون على طبيعته فقط عندما يكون وَحْدَه ، ولقد إعتبرَ الحياة الإجتماعية قائمة على النفاق والرياء وارتداء الأقنعة ، ولايمكن للمرء أن يجد نفْسَه الحقيقية ، ويرى وجهه بلاقِناع ، إلا إذا كان وحيداً ومنقطعاً عن الناس ، فلا قيود ولا إلتزام يمنعه من معرفة حقيقته
ثالثا ، التضحية باللذة في سبيل تجنب الألم مكسب واضح ، ويُشدِّد شوبنهاور على أهمية النظر إلى ماوراء الأمور ، وعدم التخندق في اللذة الآنية الزائلة ، فقد تَكون اللذةُ المؤقَّتةُ سبباً للشقاء الأبدي رب لذة عابرة أورثت ذلًا وانكسارًا ، لذلك يجب التركيز على فكرة التضحية باللذة من أجل تجنب الألم ، ويقول شوبنهاور أن المرأة منبع لكل الشرور والألم ، لماذا ؟! ، ويجيب عن سؤاله فيقول ، لأن الحياة كلها عذاب في عذاب ، والمرأة هي الحاضنة للجنس البشري ، وهي التي تحفظ بقاء النَّوع الإنساني من الإنقراض ، وهذا يَعني أن المرأة هي السبب في شقاء الإنسان وعذابه ، لأنها السبب في مجيئه إلى الأرض ، ولذلك فإن من الذكاء حسب شوبنهاور التضحية باللذة الجنسية التي تؤدي إلى ولادة الإنسان ، من أجل تخليص الإنسان من العذاب ، وتجنب الشقاء والمعاناة والآلام
واختلف عنهم ليوتونستوي فكان له رأي ٱخر ، فيقول أن الإنسانَ في وقت اللذة يطفو على سطحِ الحياة وأما في ساعةِ الألم فيدخُلُ في العمق.
وإلى لقاء في الجزء السابع إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة.






