أدب وشعر

إيران والصمت: بين الخسارة والتخطيط للمستقبل

إيران والصمت: بين الخسارة والتخطيط للمستقبل

كتب ضاحى عمار

مقالات ذات صلة

إيران، التي لطالما امتلكت براعة في طي صفحات الماضي تحت ستار الصمت، تبدو اليوم وكأنها تكرر السيناريو ذاته. مشاهد الضربات الإسرائيلية المتكررة على مواقعها في سوريا، وصمتها أمام هزيمة حلفائها في لبنان وغزة، تعكس سياسة يبدو أنها تُدار بعناية فائقة. فالصمت الإيراني لم يكن مفاجئًا في الماضي، ولن يكون كذلك اليوم، لكن خلف هذا الصمت تكمن استراتيجيات بعيدة المدى، تعتمد على مبدأ التضحية بالحلفاء في سبيل الحفاظ على النظام الإيراني في الداخل.

اللواء أشرف فوزي، الخبير الأمني والاستراتيجي، يشير إلى أن إيران لم تكتفِ بالانسحاب من المواجهة المباشرة في سوريا فحسب، بل اكتفت بمشاهدة استنزاف مواردها البشرية والمادية هناك، دون أن تقدم أي رد حاسم. “ما شهدناه من قوافل الجثامين التي عادت من دمشق إلى طهران لم يغير شيئًا في موقفها”، يقول فوزي. ويضيف: “السياسة الإيرانية تعتمد على توظيف حلفائها كوقود لحروبها بالوكالة، دون أن تعرض نظامها لأي تهديد داخلي

الدكتور أحمد رفيق عوض، مدير مركز القدس للدراسات، يرى أن طهران قد أتقنت استغلال العامل الزمني لتحقيق أهدافها، حتى وإن كان ذلك على حساب مصالح حلفائها. “إيران تزرع بذور الفوضى في المنطقة، لكنها تحرص على ألا تُحرق أرضها. لهذا السبب، تتبنى استراتيجية تعتمد على الانتظار حتى تتهيأ الظروف لتعيد ترتيب أوراقها

 يقول عوض الرهان على الحرب بالوكالة إن إيران لم تخفِ يومًا اعتمادها على وكلائها في المنطقة لتحقيق أهدافها. حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيون في اليمن، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، جميعهم كانوا أدواتها الرئيسية. طارق الهواري، المحلل السياسي، يشير إلى أن “إيران تدرك أن الحرب المباشرة مع خصومها ستكون كارثية على نظامها. لذلك، اختارت أن تخوضها من خلال حلفائها، مع تحمل أقل التكاليف الممكنة

الهواري يضيف: “لكن هذه السياسة قد أثبتت محدوديتها. فاليوم، تجد إيران نفسها في مواجهة استنزاف مستمر لمواردها عبر وكلائها، دون تحقيق مكاسب استراتيجية تُذكر. خسارتها المتتالية في سوريا ولبنان، وربما قريبًا في اليمن، تعكس ضعف هذه الاستراتيجية على المدى الطويل

الداخل الإيراني هو الهدف الحقيقي فرغم كل ما يدور في المنطقة، يبقى النظام الإيراني متمسكًا بسياسة الحذر الشديد للحفاظ على استقراره الداخلي. “إيران مستعدة للتضحية بأي مشروع خارجي مقابل عدم تهديد استقرارها في الداخل،

 يؤكد اللواء أشرف فوزي.ان هذا الحذر لم يمنعها من اللعب على حافة الهاوية مع الولايات المتحدة. فقد حاولت استخدام برنامجها النووي كورقة ضغط لرفع العقوبات الاقتصادية، لكنها لم تصل أبدًا إلى نقطة المواجهة المباشرة. “إيران تعتمد على خلق توازن دقيق بين التصعيد والتهدئة، لتبقى دائمًا في مساحة آمنة يشرح الدكتور أحمد رفيق عوض.

في ظل خسارتها لحلفائها بشكل تدريجي، تبدو إيران وكأنها تعيد تقييم استراتيجيتها. في اليمن، قد يشهد العالم قريبًا نهاية نفوذها، مع انحسار سيطرتها على الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر. وفي سوريا ولبنان، لم تعد تمتلك الزخم الذي كان يومًا يجعلها قوة لا يمكن تجاهلها

لكن طارق الهواري يحذر من الاستهانة بقدرتها على العودة. “إيران تجيد استغلال الفوضى، وقدرتها على إعادة التموضع في أي فراغ جيوسياسي يجعلها لاعبًا خطيرًا. العراق، على سبيل المثال، لا يزال يمثل بالنسبة لها منجم ذهب لا ينضب

إيران ليست دولة تُهزم بسهولة. هذا ما أثبتته تجاربها في الماضي، حيث نجحت في تحويل كل خسارة إلى فرصة جديدة. لكن السؤال يبقى: إلى متى يمكنها الاستمرار في هذا النهج

الدكتور أحمد رفيق عوض يختتم: ربما يبدو الصمت الإيراني ضعفًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة جزء من لعبة طويلة المدى. النظام الإيراني يعرف جيدًا كيف يستغل الوقت لصالحه. التحدي الحقيقي أمام خصومه هو قطع الطريق عليه قبل أن يتمكن من إعادة ترتيب أوراقه

وفي النهاية، يبقى المشهد الإقليمي معقدًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات. إيران قد تصمت اليوم، لكنها بالتأكيد لن تظل صامتة إلى الأبد.

إيران والصمت: بين الخسارة والتخطيط للمستقبل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى