مقالات

. ياسر نصر يكتب.. من هذه الحورية ؟!!

د. ياسر نصر يكتب.. من هذه الحورية ؟!!. ياسر نصر يكتب.. من هذه الحورية ؟!!
———
قد حفل المجتمع المصري في قنواته التليفزيونية بسيل جارف من المسلسلات يتخللها شلال من الإعلانات عن التبرعات للمستشفيات الخيرية ومعهد الأورام والمسنين…
ويشارك في هذه الإعلانات كبار الفنانين والفنانات – لكن لفت نظري من هذه الإعلانات الفنانة حورية ، إذا إنها قدمت الإعلان بشكل مختلف عن غيرها فلم تتراقص كاشفة الصدر عارية الكتفين تظهر ساقيها وموضة حذاءها ؛ فإذا بها تألقت أناقة وجمالا ربانيا بدون تصنع ولا مكياجات مرتدية فستانا طويلا كأنها طفلة صغيرة تتلألأ نضارة أو كطالبة في مرحلة الإعدادية أو الثانوية مقبلة على الدنيا بسعادة وأمل ووجه بشوش.
وإذا بالمخرج ينقلنا سريعا إلى مشهد آخر فيعرض فيه امرأة شاحبة الوجه تحيط بها أنابيب المحاليل والأجهرة الطبية ، وأجهزة التنفس الصناعي وقياس ضربات القلب ، أنه مشهد غاية في الألم ،مشهد يثير التعاطف مع هذه امرأة يجعل الفقير يتعاطف مع هذه المريضة قبل الغني.
وكلنا ظننا أن هذه اللقطات تريد منا التبرع لهذه المريضة أو للمستشفى التي تستضيفها، وقد انتهي الإعلان عند هذا المشهد – لكن المخرج فاجأنا بأن حورية معها طفل صغير فسألته: هل تحب الحلوى؟!!!
فأجاب مسرعا نعم أحب الشيكولاتة وأحب الجيلاتي وأحب بسكويت كذا ، وذكر لها أصنافا كثيرة مما يحبها.
وظن المشاهدون أنها ستشتري له نوعا من الحلوى لتعلن عنه في هذا الإعلان فتحقق ( حورية) أعلى عائد في رمضان الكريم- لكنها قالت لابنها إن هذه الأم المريضة عندها ابن لاتستطع شراء الحلوى له التي يحبها ، فماذا تفعل مع هذا الولد الصغير؟
فقال لها ابنها مسرعا ببراءة الأطفال يا أماه أعطيني مصروفي كي أشترى حلوى لهذا الصغير وأشتري له شكولاته وجيلاتي…
وقد أخرجت حورية بعض المال في ظرف صغير وأخفته وأعطته للمريضة مبتسمة لها بصوت رقيق ، فإذا الابتسامة التي فرقتها منذ أعوام تعلو شفتيها، ووجهها الشاحب تبدل نضارة وإشراقا كانت في في عمر العشرين، فتبدل حزنها إلى سرور وفرحة وسعادة…
وقد عاودت حورية وابنها زيارة المريضة على مدى بضعة أسابيع وأصبحتا صديقتين ، والطفلان أصبحا أخوين ، يلعبان مع بعضهما ويتشاركان فرحة العيد ببراءة الأطفال بالصوت والصورة.
وإذا بالإعلان يحقق أعلى المشاهدات وأعلى الإيرادات على بقية الإعلانات، وتتسابق الشركات بالعروض السخية للإعلان عن منتجاتها ، وقد خطفت الأضواء بحشمتها والتزاماها و حققت أعلى التبرعات للفقراء والمساكين.
السؤال الآن: من هذه حورية؟!!
هل هي الفنانة صاحبة أعلى دخل في الوسط الفني؟!
هل هي المغنية المشهورة التي يتسابق عليها المُلحنين؟!!!
هل هي الصحفية ذات القلم الذهبي؟!
هل هي المُخرجة التي تغير المجتمع بقلمها الهادف ؟!
هل هي المحامية التي تتطوع لنصرة المظلومين وتدافع عنهم ضد الظالمين؟!
هل هي سيدة الأعمال التي تنازلت عن ربحها وباعت المنتجات بأسعارها وباعته بتكلفته مع هامش ربح قليل للفقراء بلا مغالاة ولا احتكار؟!!
هل هذه المرأة الغنية؟!!
هل هي؟!!
هل هي؟!!
الجواب:
حورية هي أنتِ.
نعم أنتِ، أنتِ حورية من الجنة بتبرعك الذي أنقذتِ بها المريضة ، الذي بدلتِ به الحزن إلى سعادة وأمل في الحياة ، الذي مسحتِ به الدمعة من عين الصغير عندما يرى الأطفال يلعبون وهو يبكي من الفقر، عندما لا يجد ملابس جديدة في العيد .
عندما تبرعتِ لعلاج مرضى السرطان .
لعلاج مرضى الحروق.
لعلاج مرضى القلب.
على الإسهام في زواج اليتيمات.
على إسهامك في قرض حسن لمشروع صغير لشاب لا يجد عملا!
فكوني أنت ِالفنانة المحتشمة لا المبتذلة ، كوني القدوة الحسنة لزميلاتك وزملائك !
فكوني أول صف المتبرعات و سابقة للخيرات في مقدمة صف السعادة والفرحة للفقراء.
وإعلمي أن حب معجبيكِ سيزداد بمقدار أجرك عند الله، وتذكري قول الرسول صلى الله عليه وسلم
«مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» الحديث صحيح أخرجه مسلم (2/ 705) رقم 69،كِتَاب الزَّكَاةِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، أَوْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَأَنَّهَا حِجَابٌ مِنَ النَّارِ
كتبه:
د/ ياسر عبد الهادي نصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى