ما أُخذ بالقوّة لا يُستردّ إلا بالقوّة وما أُخذ بالحيلة لا يُستردّ إلا بالحيلة.
إنّ دروس التاريخ لا تُكتب على صفحات الكتب فحسب،
بل تُحفر في وجدان الشعوب، لتظلّ منارة للأجيال اللاحقة.
ومن أعظم هذه الدروس أنّ ما يُنتزع بالقوّة لا يمكن استعادته إلّا بالقوّة، وأنّ ما يُختلس بالحيلة لا يُستعاد إلّا بمثلها.
هذه القاعدة الحاكمة لمجرى الصراعات، لم تكن نظرية مجرّدة، بل تجسّدت بأبهى صورها في ملحمة العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر عام 1973م، حين استردّت مصر أرضها وكرامتها بقوة السلاح، وحكمة التخطيط، وحيلة المكر العسكري الذي أذهل العالم.
لقد احتلّ العدو أرض سيناء عام 1967م بسطوة القوّة وغطرسة السلاح، فكان لا بدّ أن يكون الردّ بمثل ما فُرض به الاحتلال ، قوة تردع وتكسر، وعزيمة لا تلين.
غير أنّ القوّة وحدها لن تكن كافية، إلا إذا تزوّدت بدهاء العقل وحسن التدبير.
فجاءت معركة أكتوبر نموذجًا فريدًا جمع بين القوة الصلبة والحيلة البارعة ، فخطط الجيش المصري بذكاء، وأخفى نواياه بحنكة، حتى خُيّل للعدو أنّ الضفة الشرقية للقناة عصيّة على الاختراق.
وحين انطلقت ساعة الصفر، عبر المقاتلون القناة في ملحمة بطولية، حطموا خط بارليف الذي قيل إنّه لا يُقهر، وزلزلوا أسطورة الجيش الذي لا يُهزم.
كانت القوة في الأيدي، وكانت الحيلة في العقول، فتكاملت عناصر النصر، ليُثبت المصريون أنّ استرداد الأرض لا يكون بالتمنّي ولا بالانتظار، بل بالفعل المدروس والإرادة الصلبة.
إنّ نصر أكتوبر لم يكن انتصارًا عسكريًّا فحسب، بل كان درسًا خالدًا في الوعي الوطني، أنّ الحقوق لا تُستردّ بالاستجداء، ولا تُستعاد بالموائد المستديرة وحدها، وإنما تُصان حين تملك الأمة قرارها، وتؤمن بأنّ قوّتها في وحدتها، وحيلتها في يقظة عقول أبنائها.
وهكذا، صار أكتوبر شاهدًا على أنّ ما أُخذ بالقوّة لا يُستردّ إلا بالقوّة، وما أُخذ بالحيلة لا يُستردّ إلا بالحيلة، وأنّ إرادة الشعوب متى اجتمعت على هدف، تصنع من المستحيل حقيقة، ومن الحلم واقعًا حيًّا يخلده التاريخ.