الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

من دراما البلطجة إلى دراما تفكك الأسرة…

من دراما البلطجة إلى دراما تفكك الأسرة…

كتبت : نعمة حسن

كيف تحوّل رمضان من مدرسة القيم إلى موسم هدم البيت؟

في شهرٍ كان عبر قرون مدرسةً للروح، وملاذًا للأسرة، وموسمًا لتهذيب النفس… يحدث شيء مقلق بصمت.
رمضان الذي كان يُعرَف بلمّة العائلة حول مائدة بسيطة، وبصوت القرآن يتردد في البيوت، وبحكايات الجدّات التي تزرع الأخلاق في قلوب الأطفال…
أصبح في كثير من مظاهره موسمًا دراميًا صاخبًا يتاجر بالصراعات ويغذي أسوأ ما في النفس البشرية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة:
هل ما نشاهده في مسلسلات رمضان مجرد دراما للترفيه؟
أم أن هناك تحولًا خطيرًا في الرسائل التي تُزرع في وعي الأسرة والأجيال؟
من دراما البلطجة… إلى دراما تفكك الأسرة
قبل سنوات، ارتفعت أصوات كثيرة تنتقد ما عُرف بـ دراما البلطجة؛
المسلسلات التي جعلت من العنف والشارع والقبضة الغليظة بطلًا رئيسيًا.
كان الهدف المعلن حينها واضحًا:
حماية الأجيال من تطبيع العنف.
لكن ما حدث لاحقًا يطرح تساؤلًا أكثر خطورة.
فبدل أن تختفي الرسائل السلبية، بدا وكأنها انتقلت إلى مكان أخطر بكثير… داخل البيت نفسه.
لم تعد القصة عن بلطجي في الشارع…
بل عن أسرة تتفكك من الداخل.
الأب يرمي بناته.
زوج الأخت يتحرش بأخت زوجته.
ابن يقتل أباه.
أخ يبيع أخته.
وأخ يقتل أخاه.
أي رسالة تُزرع في وعي الأجيال عندما تتكرر هذه الصور عشرات المرات في موسم واحد؟
أي صورة للأسرة العربية يجري ترسيخها في أذهان الأطفال والمراهقين؟
الأمر لم يعد مجرد حبكات درامية.
بل نمط يتكرر بشكل لافت.
حتى إن المشاهد بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا:
القصص نفسها…
والأهداف نفسها…
والرسائل نفسها…
وكأن القصة تتوزع على المخرجين.
وكأن السيناريو لا يتغير كثيرًا من كاتب إلى آخر.
وكأن هناك تعليمات غير مكتوبة تقول:
اجعلوا الدراما تدور حول انهيار الأسرة.
حين يفقد البيت دفئه على الشاشة
الأسرة في الثقافة العربية ليست مجرد مؤسسة اجتماعية؛
إنها الحصن الأخير للإنسان.
في البيت يتعلم الطفل معنى الرحمة.
وفي البيت يتعلم معنى الأمان.
وفي البيت يتعلم معنى الثقة.
لكن حين تتحول الشاشة – في أهم موسم مشاهدة في العام – إلى مساحة تُزرع فيها الخيانة والغدر وسوء الأخلاق داخل البيت نفسه،
فإن الرسالة الرمزية تصبح مقلقة للغاية.
المشكلة ليست في وجود قصة واحدة تتناول أزمة أسرية.
الدراما بطبيعتها تشتبك مع الألم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تفكك الأسرة هو القاعدة… لا الاستثناء.
وحين يصبح الغدر بين الأقارب هو الحبكة الأكثر تكرارًا.
حتى رمضان نفسه تغيّر
المشهد لا يتوقف عند الدراما فقط.
رمضان الذي كان شهرًا تتراجع فيه الضوضاء لصالح المعنى…
بدأ يفقد شيئًا من روحه في بعض مظاهره.
الخيم الرمضانية التي كانت في كثير من المدن العربية مجالس إنشاد ديني، أو شعر، أو حكايات تراثية، أو مسابقات للقرآن الكريم…
تحولت في أماكن كثيرة إلى حفلات صاخبة وأغاني ومهرجانات.
بدل أن تكون الخيمة الرمضانية مكانًا لاختيار أفضل قارئ للقرآن أو من يشرح معنى آية أو يقدم قصيدة أو قصة تبث القيم الحسنة…
أصبحت مجرد مساحة للهو والضجيج.
وكأن الشهر الذي كان مدرسة للأخلاق…
أصبح موسمًا للترفيه بلا روح.
رمضان… موسم المطاعم والأسعار المشتعلة
حتى مائدة الإفطار نفسها لم تسلم من التحول.
رمضان الذي كان قائمًا على فكرة الإحساس بالفقراء والبساطة والتكافل
أصبح في بعض المشاهد موسمًا للاستهلاك المفرط.
مطاعم ممتلئة.
حجوزات مسبقة.
قوائم طعام يجب تحديدها قبل أيام.
ودفع مقدم قبل الجلوس على المائدة.
بل إن بعض الأماكن رفعت الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها، مستفيدة من الزحام والتهافت.
المفارقة أن الشهر الذي كان يعلّم الإنسان الزهد وضبط النفس
أصبح في بعض المظاهر سباقًا في الإنفاق والاستعراض.
حتى فكرة الشعور بالفقراء التي كانت جزءًا من فلسفة الصيام…
تحولت أحيانًا إلى شعور معاكس تمامًا:
استعراض الوفرة وزيادة الأرباح.
ماذا يحدث فعلًا؟
لا أحد يطالب بأن تتحول الدراما إلى خطب وعظية.
ولا أحد ينكر أن الفن يجب أن يعكس الواقع.
لكن السؤال الحقيقي هو:
لماذا تتكرر الرسائل نفسها بهذا الشكل الكثيف؟
لماذا يبدو وكأن الدراما الرمضانية تدور حول فكرة واحدة: انهيار الثقة داخل الأسرة؟
وهل هذه الصورة تعكس المجتمع فعلًا…
أم أنها صورة درامية يجري تضخيمها لأنها أكثر إثارة؟
الفن قوة هائلة.
فهو لا يعكس الواقع فقط…
بل يساهم في إعادة تشكيله في الوعي الجمعي.
وعندما يرى المشاهد القصة نفسها تتكرر عشرات المرات،
فإنها تبدأ في التحول من استثناء درامي إلى تصور اجتماعي راسخ.

ودعني عزيزي القاريء اوجز لك ما في نفسي حيال كل هذا ..

قد ارى ان رمضان لم يكن يومًا مجرد موسم مسلسلات.
كان دائمًا موسمًا لإصلاح القلب قبل أي شيء آخر.
وكانت الأسرة فيه أقرب… لا أبعد.
لكن السؤال الذي يواجهنا اليوم بصراحة هو:
هل ما نشاهده على الشاشات يعكس روح رمضان…
أم يبتعد عنها أكثر فأكثر؟
لأن المجتمعات قد تتحمل كثيرًا من الأزمات…
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لها هو أن تفقد ثقتها داخل البيت الواحد.
وعندما يبدأ البيت نفسه في التفكك على الشاشة…
فإن السؤال الحقيقي يصبح:
من يكتب سيناريو هذا التفكك… ولماذا؟
لصالح يتحول الشهر الكريم من طرح عبادات دنيا ودين إلى شاشات تعرض سيناريو البلطجة إلى سيناريو الهدم الاسري .
مع تحياتي ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى