
بقلم: عماد الهندي وحازم علي أدهم
لم تمضِ سوى ساعات قليلة على نشر تحقيقنا السابق حول الأوضاع المأساوية في حي منشية ناصر، حتى تحركت الأجهزة التنفيذية بقيادة رئيس الحي في استجابة سريعة بعد ساعات، لتبدأ حملة موسعة استهدفت إزالة الإشغالات ورفع المخلفات من شوارع رئيسية ومناطق ذات قيمة تاريخية وأثرية. هذا التحرك العاجل يعكس أن الصحافة لا تزال قادرة على تحريك المياه الراكدة حين تنقل صوت الناس بصدق وشفافية، لكنه في الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الاستجابة بداية لاستراتيجية طويلة المدى أم مجرد رد فعل مؤقت.
أزمة تتفاقم يومًا بعد يوم
تحقيقنا السابق كشف معاناة أهالي منشية ناصر من الفوضى العارمة، حيث غزت الإشغالات الأرصفة والطرقات، واحتلت الباعة الجائلون مداخل المحلات التجارية، ما ألحق الضرر بالتجار الشرعيين الذين يدفعون ضرائب ورسوم ورخص بينما يجدون أنفسهم محاصرين بمنافسة غير عادلة.
إلى جانب ذلك، تحولت الشوارع إلى بؤر للنفايات والروائح الكريهة، الأمر الذي تسبب في انحدار المستوى الصحي وانتشار الأمراض، خاصة مع لعب الأطفال وسط القمامة.
ولم تقف الأزمة عند الجانب الاقتصادي أو الصحي فقط، بل امتدت لتشويه الوجه الحضاري لمناطق أثرية مثل ودير سمعان وعزبة بخيت ومنطقة قيتباي، إلى جانب القرب من معالم كبرى مثل قلعة صلاح الدين الأيوبي ومقابر المماليك وجبل المقطم. هذه الأماكن يفترض أن تكون مقصدًا للسائحين والباحثين عن عبق التاريخ، لكنها وجدت نفسها محاصرة بمظاهر عشوائية لا تليق بالقاهرة ولا بتاريخ مصر.
استجابة سريعة بعد ساعات
في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة من حيث السرعة، خرجت حملة موسعة إلى الشوارع بعد ساعات فقط من نشر التحقيق. قاد الحملة الأستاذ عبد العزيز عامر، رئيس حي منشية ناصر، بمشاركة قيادات الحي:
الأستاذ أحمد جمال – مساعد رئيس الحي ومدير إدارة الإشغالات.
الأستاذ محمد الحديدي – مساعد رئيس الحي ومدير المتابعة الميدانية.
الأستاذ وجيه نادر – مساعد رئيس الحي ومدير البيئة.
الأستاذ جمال محمود – سكرتير عام الحي.
النقيب أحمد رأفت – ضابط المرافق، برفقة قوة أمنية.
الحملة شملت إزالة عشرات الإشغالات ورفع كميات كبيرة من القمامة، إضافة إلى إعادة الانضباط لعدد من المحاور الحيوية. هذا التحرك السريع يؤكد أن الإدارة المحلية قادرة على العمل بجدية عندما تتوفر الإرادة، وأن الضغط الإعلامي والشعبي يمكن أن يكون أداة فعّالة في دفع عجلة التنفيذ.
شهادات الأهالي: بين الترحيب والقلق
على الرغم من الترحيب الشعبي بالحملة، فإن الأصوات القادمة من الشارع ما زالت تحمل الكثير من القلق.
“محمود”، صاحب محل أدوات كهربائية، قال: “أخيرًا شفنا تحرك على الأرض بعد سنين من المعاناة، لكننا لا نريد أن تكون الحملة مجرد رد فعل على مقال. المطلوب متابعة يومية وحلول جذرية.”
“أم محمد”، ربة منزل، علّقت: “شكرًا على إزالة القمامة من قدام بيتنا، لكن الخوف من رجوعها تاني بكرة. محتاجين التزام مستمر مش يوم واحد.”
“شيماء”، طالبة جامعية، أضافت: “الطريق بقى أسهل شوية بعد رفع الباعة، بس لازم يكون فيه أمان كامل، لأن المشاجرات والعشوائية ما زالت تهددنا.”
هذه الشهادات تعكس أن الناس تقدر الجهود الفعلية، لكنها في الوقت نفسه لا تثق في استمراريتها، وهو ما يضع على عاتق القيادات التنفيذية مسؤولية مضاعفة.
المسؤولية والاختبار الحقيقي
التحرك الذي جرى بعد ساعات من التحقيق خطوة إيجابية بلا شك، لكنه يمثل البداية فقط. الاختبار الحقيقي أمام المسؤولين هو الاستمرارية. فالأهالي يعلمون جيدًا أن الإشغالات تعود في اليوم التالي من كل حملة، وكأنها لم تُقم.
مدير الإشغالات مسؤول عن ضمان عدم عودة الباعة.
مدير البيئة مطالب بجدول يومي لجمع القمامة.
مدير المتابعة الميدانية عليه أن يكون عين الحي لرصد أي تجاوز لحظة وقوعه.
رئيس الحي هو المسؤول الأول عن وضع خطة شاملة تربط بين الحلول العاجلة والاستراتيجية طويلة الأجل.
مقترحات حلول عملية
1. إزالة نهائية للإشغالات مع توفير فرق متابعة ثابتة.
2. تخصيص أسواق بديلة مرخصة للباعة الجائلين تحمي مصدر رزقهم وتمنع عشوائيتهم.
3. جدول نظافة يومي بالتعاون مع شركات متخصصة ومتابعة المجتمع المدني.
4. تغليظ العقوبات على المخالفين المتكررين.
5. حملات توعية إعلامية لتثقيف المواطنين بمخاطر الإشغالات.
6. خطة تطوير للبنية التحتية تشمل توسعة الطرق وإصلاح الأرصفة.
7. آلية رقابة شعبية عبر لجان محلية تضم أهالي الحي وممثلي الإعلام.
بين الدبلوماسية والضغط
من واجب الصحافة أن تنقل الحقيقة بجرأة، ومن واجبها أيضًا أن تحافظ على لغة دبلوماسية تتيح للمسؤولين العمل دون صدام مباشر. لذا فإننا نثمّن الخطوة العاجلة التي جاءت استجابة سريعة بعد ساعات من نشر التحقيق، لكننا نؤكد أن الحملات لا ينبغي أن تكون مناسبات إعلامية عابرة.
القيادات التنفيذية في الحي أظهرت حُسن نية ورغبة في الإصلاح، لكن الطريق ما زال طويلاً، ولن يتحقق التغيير إلا باستمرار الحملات وتطبيق خطة شاملة.
الخاتمة: هل تكون البداية؟
منشية ناصر اليوم أمام مفترق طرق.
فإما أن تكون الحملة الأخيرة بداية حقيقية لإنهاء سنوات من الفوضى والإهمال، وإما أن تعود الأمور كما كانت في غضون أيام.
السكان في انتظار الأفعال لا الأقوال، والتاريخ الأثري في انتظار من يحميه من التشويه، وصورة القاهرة في انتظار من يعيد لها رونقها الحضاري.
لقد أثبتت الأحداث أن الصحافة الحرة قادرة على دفع المسؤولين للتحرك خلال ساعات. ويبقى السؤال: هل يملك هؤلاء المسؤولون القدرة على الاستمرار بنفس السرعة والجدية حتى يتحول التغيير إلى واقع دائم؟
بقلم: عماد الهندي وحازم علي أدهم





