الأسبوع العربيقرأت لكقراءة نقديةقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

مرثية البابِ والغياب

مرثية البابِ والغياب

قلم:وائل عبد السيد

حين استدارَ الزمانُ في دورتهِ المشؤومة، ومالَ ثقلُ الأيامِ على أكتافِ المفصلاتِ العتيقة، سقطتِ البوابةُ. لم يكن سقوطاً عادياً يشقُّ سكونَ الليلِ بضجيجِ المعدنِ، بل كان سقوطاً كونياً، سقطت معه أعمدةُ الطمأنينةِ التي شيدناها لقرون. في تلك اللحظة، لم تسمع صرخةً واحدة، بل حدث ما هو أدهى: صمتَ الأمل.

انكسارُ الرمز

كانت تلك البوابةُ حدّاً فاصلاً بين “ما نتمناه” و”ما نخشاه”، كانت الحصنَ الذي نودعُ خلفه أسرارنا، ونعلقُ على أقفالهِ تمائمَ النجاة. وعندما هوت، تفتتَ الخشبُ المعتقُ برائحةِ الانتظار، وتناثرت مساميرُ العهدِ في ترابِ الخيبة. لم تنكسر البوابةُ لأن الريحَ كانت عاتية، بل لأن الروحَ التي كانت تسندها من الداخل قد استسلمت للوهن.

مقالات ذات صلة

صمتُ الأملِ المهيب

كيف يصمتُ الأمل؟

الأملُ الذي كان يقتاتُ على ضوءِ القناديلِ الشحيحة خلفَ الممرات، وجدَ نفسه فجأةً في مواجهةِ العراءِ المطلق. عندما سقطت البوابة، لم يجد الأملُ مكاناً يختبئُ فيه من حقيقةِ الفقد. تراجعَ الصوتُ الرخيمُ الذي كان يعدنا بالخلاص، وذابَ في العدم.

هذا الصمتُ ليس سكوناً، بل هو ضجيجٌ داخليٌّ خانق:

صمتٌ يشبهُ وقوفَ المسافرِ وحيداً في صحراءٍ بلا بوصلة.

صمتٌ يحملُ في طياته ندمَ المفاتيح التي لم تُفتح في وقتها.

صمتٌ يعلنُ أنَّ الحلمَ قد صارَ من رعايا الماضي.

وحشةُ العراء

بعد السقوط، صارَ كلُّ شيءٍ مباحاً للريح. دخلَ الصقيعُ إلى زوايا القلب التي كانت دافئة، وتسلل الغبارُ إلى أحلامنا الملونة ليجعلها باهتةً بلون الرماد. البوابةُ التي كانت تحمينا من الغرباء، صارت الآن جسراً يعبرُ عليه النسيانُ ليمحو ملامحنا.

نحنُ الآن نقفُ على الأنقاض، لا نملكُ قوةً لرفعِ الركام، ولا صوتاً لننادي على مَن خذلنا. فالكلماتُ فقدت معناها حين فقدت البوابةُ كيانها. لقد أدركنا، ونحن نرقبُ الغسقَ يبتلعُ بقايا الخشبِ المحطم، أنَّ أوجعَ أنواعِ السقوطِ ليس ما تراهُ العين، بل ما يشعرُ به القلبُ حين يوقنُ أنَّ العودةَ صارت مستحيلة.

الخاتمة: رمادُ الانتظار

سقطتِ البوابةُ، وانتهى زمنُ الحكاياتِ التي تبدأ بـ “خلفَ الباب”. اليوم، نحنُ وأحلامنا والعراءُ وجهٌ لوجه. الصمتُ الذي خلّفهُ الأملُ الراحلُ هو وصيتنا الأخيرة، وهو النشيدُ الذي سنرددهُ كلما مررنا بمكانِ السقوط، لنتذكرَ أنَّ القوةَ لم تكن يوماً في الحديد، بل في الثقةِ التي كانت تجعلنا ننامُ ملءَ جفوننا.. قبل أن ينهارَ كلُّ شيء.

مرثية البابِ والغياب
مرثية البابِ والغياب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى