
لا راحة في الدنيا تأملات وخواطر
بقلم د/ علوي القاضي
وصلاً بماسبق فإن العاقل من لم تلهه زخارف الدنيا وراحتها الكاذبة وإستعد للراحة الأبدية ، العاقل من يعي أن هناك ثلاث حقائق لامفر منها ، لا راحة في الدنيا ، ولا نجاة من الموت ، ولا سلامة من لسان الخلق
لا راحة في الدنيا لأي إنسان مهما كان وضعه صحيحا أو مريضا ، صغيرا أو كبيرا ، رجلا أو مرأة ، غنيا أو فقيرا ، حاكما أو محكوما ، حرا طليقا أو مسجونا الكل غير مرتاح مهما بحثوا عنها ولا نجاة من الموت ولامفر منه ، مهما طال العمر ، فالموت قدر الله في خلقه وهو سيف على رقاب العباد وهو يلاحق الجميع مهما إختلفت أساليبه وأسبابه ، فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز لحبيبه صل الله عليه وسلم مامعناه إنك ميت وإنهم ميتون
ولا سلامة من لسان الخلق ، حيث دائما يكون الإنسان على رأس ألسنة الناس إما ذم ونميمة ، أو مدح وثناء ، لذلك على الإنسان أن يتقي شر الناس ويعاملهم دائما بإحسان ويترك ماتقوله ألسنتهم لله إما إثم أو أجر على مايقولونه ، فكيف ينشد الراحة فى الدنيا وتحيطه كل هذه الحقائق بتبعاتها
هذه هي الحياة الدنيا ، ليس هناك مفر ، لا راحة فيها ، ولاراد لقضاء الله ، ولانجاة من الموت ، ولاشفاعة فيه ، ولاحيلة في الرزق أيا كان نوعه ومصدره كلها مقادير الله ولاخيار لنا ، ولاسلامة من الناس ولامن ألسنتهم ، فلن تكبر دون أن تتألم ، ولن تتعلم دون أن تخطئ ، ولن تنجح دون أن تفشل ، كل حياتنا الدنيا كبد ومعاناة ، ف أوَّل درجاتِ الحكمة والراحة أن تُنْزِل نَفْسَك مَنْزِلتها ، و أوسطها أن تُنْزِل الناسَ مَنازِلَهم ، و أعلاها أن تُنْزِل مِن حساباتك فِكرةَ إرضائهم
يقول الحكماء في راحة البال : ما دنيانا ، إلّا عطش بلا إرتواء ، وجوع بلاشبع ، وتعب بلا راحة ، وحطب يأكل نفسه ، وهي بدون الإيمان تعتبر خواء وخراب وظلمة وتيه ، فالإيمان هو الذي يمنحنا القوة الروحية لتحمل كل تلك الصعاب
… أحبابي ، لاشيء جديد عندنا سوى أن أعمارنا تتآكل يوما بعد يوم ، وأن ٱجالنا تقترب رويدا رويدا ، ولا زلنا في حق ربنا مقصرين ، فيارب أسألك توبة نقية زكية لامعصية بعدها قولوا ٱمين
وعندما أنشدت الراحة وبحثت عنها ، تعلمت من الحياة أن أجعل من نفسي رجلا عماده المحبة والتسامح والعفو ، وأن أتخذ من الأمل مصباحا ينير طريقي في كل إتجاه ، وعلمتني الحياة أيضا أنني حين أصل لمرحلة غريبة من البرود ، لدرجة اللامبالاة ، وأن الأمور التي كانت تستفزني وترهقني باتت أمرا عاديا لاتثير الكثير من الإهتمام ، عندها علمت أنني تجاوزت مرحلة مهمة ، وفهمت جزءا كبيرا من قيم الحياة وحقيقتها
… وعلمتني الحياة أيضا ، أن راحتي وعلاقتي مع الناس تدوم وتستمر ب التغاضي ، وتزداد ب الإنسجام والتراضي ، لكنها تمرض ب التدقيق ، وتموت وتنتهي
ب التحقيق
وعلمتني الحياة أيضا أن ب الإبتسامة أتجاوز الحزن ، وب الصبر أتجاوز الهموم ، وب الصمت أتجاوز الحماقات ، وب الكلمة الطيبة أتجاوز الكراهية ، وإذا رأيت إنسانا سريع الغضب أتأكد عندها أن شيئا ما أتعب قلبه دون رحمة فعكر مزاجه ، فأراعيه ولا أتحامل عليه
اعلم ياأخي أنك شئت أم أبيت ، فهناك من يكرهك ويكره أسلوبك ، أوصفاتك في الحياة ، حتى فرحك وضحكك ، يكره حتى محبة الناس لك ، فرضاء الناس غاية لا تدرك ، ورضاء الله غاية لاتترك ، فلاتترك مالايترك ، إبتغاء مالا يدرك فتخسر الإثنين .
علمتني الحياة أن الراحة فيها متقلبة وليست على وتيرة واحدة ، فلاتحزن عند الأزمات فلولاها لبقينا مخدوعين لمدة طويلة ، نعم هي قاسية ، لكنها صادقة ، تعيدنا إلى واقع الدنيا
أيها الناس إن الدنيا مكتظة بالإبتلاءات والمبتلين ، فلماذا تحسدوننا على مانحن فيه ، فورب العباد لو تعلمون ماذا يوجد بداخلنا لأشفقتم علينا ، ولدعوتم لنا في كل صلاة ، ولبكيتم على حالنا بالدمعات
علمتني الدنيا أنك عندما تنشد الراحة ثم تتوكل على الله حق توكله وتكون نقيا من الداخل ، سيتولاك الله ويمنحك نورا من حيث لاتعلم ، وبأمر من الله يحبك الناس من حيث لاتعلم ، ويأتيك ما تريد من حيث لاتعلم ، اللهم ارزقنا قلبا نقيا تقيا ورعا .
إذا أردت الراحة ، فاحفظ كرامتك ، ولا تكن ثقيلا على أحد فمن يريدك عزيزا يأتيك حتى في الزحام ، ومن لايريدك ، لايراك حتى وإن كنت أمامه ، وإذا انتشرت الفتن فكن حلسا من أحلاس بيتك ، فالإنسحاب الذي يحفظ لك كرامتك هو إنتصار لك في حد ذاته
اهتم بثمان أمور تحقق لك الراحة النفسية :
★ العمل فالفراغ من أسباب كثرة التفكير فيما لاينفع ، ويترتب على ذلك تضخم المشاعر السلبية كالحزن والقلق
★ لا تبالغ في الرفاهية ، فكثرة التنعم تجعل النفسية هشة لاتتحمل الضغوط ، فتشعر بالضيق لأدنى شيء
★ لا تسوف مهامك ، فتأجيل الأعمال يؤدي لتراكمها ، وتنامي مشاعر القلق والتوتر والشعور بالفشل والإحباط
★ لاتتطلع إلى ما ليس في يدك ، فالقناعة هي سر الراحة والسعادة ، والمتطلع لايشعر بالشبع مهما كان ، فازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد مافي أيد الناس يحبك الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، واترك المثالية التي هي أصل كثير من الإضطرابات النفسية والمزاجية
★ تعلق بالله ولا تعلق قلبك بالمخلوقين مهما كانوا ، ولكن عاملهم إبتغاء وجه الله تعالى ، ولا تنتظر منهم جزاءا ولاشكورا حتى لو كانوا أقرب الناس إليك ، وهذا هو الإخلاص الذي يعين على هضم النفس وتواضعها ، فكن مع الله الحق بغير خَلْق ، ومع الخَلْقِ بغير نفس
★ تجنب مشتتات القلب التي تدخل عليه الهم ، وهي فضول الكلام ، والنظر ، والطعام ، والنوم ، والمخالطة
★ إبتعد عن الخصومات الشخصية قدر الإمكان واجعل غضبك لله
★ تعود الشكوى إلى الله تعالى بدلا من الشكوى للناس ، رزقني الله وإياكم الراحة والسكينة والطمأنينة
القرٱن كتاب الله ، من حكم به عدل ، ومن حلف به صدق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو يعلو ولا يعلى عليه ، لذا علمتني الحياة أنه ، إذا ضاقت الدنيا في وجهي قرأت صفحات من القرآن ، وماهي إلا أيام ويفتح الله لي من حيث لاأحتسب رزقاً وعلماً وفهماً ، فعندما نتأمل بداية سورة طه في قوله تعالى طه ، ماأنزلنا عليك القرآن لتشقى ، نعلم أن القرآن سبب للراحة والسعادة والبعد عن الشقاء ، ولو تأملنا نهاية نفس السورة عند قوله تعالى
“ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا” ، نعلم أن من أهم أسباب الضنك والضيق والكآبة ، هو البعد عن كتاب الله وذِكره اللهم إجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أبصارنا وذهاب أحزاننا وهمومنا
أيها الأحباب ﻛﻮﻧﻮﺍ ﺩﻋﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺻﺎﻣﺘﻮﻥ ، ﻛﻴﻒ ﺫﻟﻚ ؟! ، ﺑﺄﺧﻼﻗﻜﻢ
ﺭﻏﻢ ﺣﺎﺟﺘﻨﺎ أحيانا ﻟﻠﻮﺣﺪﺓ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ إبتغاءا للراحة ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ، ﻭﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﻻ ﺗﻜﻮﻧﺎﻥ بإﻋﺘﺰﺍﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ كلية ، ولكن ساعة وساعة
ﻟﻦ ﺗﻌﺮﻑ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﻭﺍلإﻧﺴﺠﺎﻡ ، ﺇﻟّﺎ ﺇﺫﺍ ﺃﺳﻠﻤﺖ ﻭﺟﻬﻬﺎ لله سبحانه وتعالى ﻭﺭﺑﻄﺖ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺑﻴﻨﻬﺎ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ
ﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻠﺐ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻫﻲ ﺭﺍﺣﺔ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﻭﺍﻟﻨﻔﺲ ، ﺃﻣﺎ ﺭﺍﺣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻓﻼ ﺗﺆﺩّﻱ ﺇﻟّﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻮﺕ.
ﻣﻌﺎﺩﻟﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺣﺐ ، ﻭﺛﻘﺔ ، ﻭﺭﺍﺣﺔ ، ﻭﺗﻔﺎﻫﻢ وﻻﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻤﻞ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺃﺣﺪﻫﺎ ﻏﺎﺋﺐ.






