
رفقًا بها… فكلنا خرجنا من وجعها
بقلم / سهير محمود عيد
يختلفون كثيرًا حول فكرة أن المرأة خُلقت من ضلع آدم، ويُطيلون النقاش في التفسير والمعنى، لكن هناك حقيقة واحدة لا تقبل الجدل، ولا تحتمل التأويل: كل إنسان على هذه الأرض خرج من رحم امرأة. من وجعها بدأنا، ومن ضعفها الظاهري وُلدت قوتنا، ومن قلبها تعلّمنا أول معنى للأمان.
تسعة أشهر وهي تحملك داخلها، بين خوفٍ لا يُقال وألمٍ لا يُحتمل، تراقب كل تفصيلة في حياتها من أجلك، تحرم نفسها من أشياء كثيرة، وتتحمل ما لا يُرى. لم تكن تعرف ملامحك بعد، لكنها كانت تحبك حبًا كاملًا، وكأنك كل الدنيا. وحين جاء وقت ميلادك، واجهت ألمًا لا يمكن وصفه بالكلمات، ألمًا لو وُضع على الجبال لهدّها… لكنها تحملته، فقط لتراك.
ثم تكبر… وتنسى.
تنسى تلك التي كانت تضعك فوق راحتها، وتخاف عليك من نسمة هواء، تنسى أن هناك قلبًا كان يرتجف كلما مرضت، وعينًا لم تكن تنام إن تأخرت. تنسى أن امرأة كانت ترى العالم كله فيك، بينما أنت اليوم قد لا ترى فيها سوى شخص اعتدت وجوده.
والأصعب من النسيان… القسوة.
كم من امرأة تتألم بصمت لأنها لم تجد كلمة طيبة؟ كم من قلب انكسر بسبب تجاهل، أو استهانة، أو كلمة خرجت دون تفكير؟ أشياء تبدو بسيطة في نظر الكثيرين، لكنها في داخلها تترك أثرًا عميقًا. لأن المرأة، مهما بدت قوية، تظل إنسانًا يشعر، ويتألم، ويحتاج.
هي لا تطلب المستحيل… فقط قليل من الرفق.
أن تُعامل باحترام، لا بتقليل. أن يُسمع صوتها، لا يُهمّش. أن تجد من يقدّر تعبها، لا من يعتبره واجبًا مفروضًا عليها. أن يُربّت أحدهم على قلبها كما كانت تفعل مع الجميع.
المرأة ليست ضلعًا ناقصًا، ولا ظلًا في حياة أحد، بل هي أصل الحكاية كلها. هي التي تُنجب، وتُربي، وتُعلّم، وتُضحي، ثم تمضي في الحياة وكأن ما فعلته أمر عادي. لكنها في الحقيقة تحمل ما لا يتحمله كثيرون.
رفقًا بها…
لأنها قد تبتسم وهي موجوعة.
ولأنها قد تصمت وهي في أشد الحاجة للكلام.
ولأنها قد تبدو قوية، بينما بداخلها ألف معركة لا يراها أحد.
رفقًا بها…
لأنك في يومٍ ما، كنت كل شيء بالنسبة لقلب امرأة، كانت تخاف عليك أكثر مما تخاف على نفسها. ولأن وجودك نفسه كان نتيجة ألمٍ تحملته دون شكوى.
وإن أردت أن تختصر كل هذا الحديث، فتذكر فقط:
لولا امرأة تألمت من أجلك…
ما كنت هنا الآن.
فلا تقابل هذا الألم بالقسوة…
بل بشيءٍ من الرحمة يليق ببداية خُلقت من وجع.





