
كتب الدكتور كمال الحجام
إن العودة إلى دراسة واقع المنظومة التكوينية لمدرسي الابتدائي وكيفية تأهيلهم إلى تعاطي مهنة التدريس يمثل مشغلا رئيسيا في كل مشروع تفكير في مردود المنظومة التربوية. ومساهمة منا في مزيد توضيح الخيارات التي تم تبنيها سابقا في تكوين مدرسي الابتدائي والتي يمكن أن تكون اليوم محل نظر وتدقيق علمي تربوي، يجدر بنا العود المتبصّر إلى تاريخ نشأة هذه الخيارات في منظومة التكوين، وذلك في إطار عرض سريع وقراءة معمّقة للواقع من أجل توضيحه في عمق معانيه بما من شأنه أن يساعد على بناء المستقبل برؤية حكيمة رشيدة ومتبصّرة…
تمثّل منظومة التّكوين الأساسي لمدرّس التعليم الابتدائي في تونس أحد المحاور الهامّة في النّظام التّربوي. فقد شهدت في إطار الإصلاحات التّربويّة (1991 و2002)، تطوّرا مؤسّساتيّا أنشأت بمقتضاه في مرحلة أولى المعاهد العليا لتكوين المعلمين (1992)، وفي مرحلة ثانية معاهد مهن التربية (2006)، وفي مرحلة ثالثة الإجازة الوطنية للتربية والتعليم (2018)، وذلك تعويضا لمدارس ترشيح المعلمين.
ولنا أن نلاحظ في هذا الخيار المعلن أنه رافق في كل مرة ظهور مشروع إصلاح تربوي مقنن ومبني على نص تشريعي. كما يمكننا ملاحظة أن هذا التغيير الذي بمقتضاه تحول التكوين من مدارس ترشيح إلى معاهد عليا هو تحوّل عميق ومدروس ويستجيب لمتطلبات العصر. إننا نشهد بهذا التغيير تحوّل التكوين من فضاءات ومناهج تكوين تحت إشراف وزارة التربية إلى فضاءات ومناهج تحت إشراف التعليم العالي والبحث العلمي. وبذلك نشهد لأول مرة في النظام التربوي التونسي تبعا لهذا الإجراء إدماج ملف تكوين المدرّسين في منظومة التّعليم العالي بعد أن كان، ولمدّة طويلة، يعود بالنّظر إلى وزارة التّربية والتّكوين.
ولا يمثّل هذا التطوّر الحاصل في مستوى المؤسّسات التّكوينيّة للمدرّسين في اعتقادنا، مجرّد تغيير في فضاءات التّكوين، بقدر ما يعبّر في عمقه عن رغبة في ضرورة تطوير منظومة التّكوين الأساسي تماشيا مع الإصلاحات التّربويّة. فلا سبيل إلى تجسيم المشروع التّربوي الوطني إلاّ بمزيد ترشيد عمليّات التّكوين الأساسي للمدرّسين بما يجعلهم قادرين على مواكبة المستجدّات التّربويّة في إطار التّحوّلات العميقة التي يشهدها اليوم الفعل البيداغوجي وظروف إنجازه.
اندرجت عمليّة تحويل مدارس ترشيح المعلّمين في تونس إلى معاهد عليا لتكوين المعلّمين (26 نوفمبر 1990) في إطار ما شهدته المنظومة التّربويّة من حركة تفكير مهدت لإصلاح تربوي تجسمت أهمّ ملامحه تتجسّم في قانون جويلية (1991) وأفضى إلى مؤسسات جامعية للتكوين (1992) تمثلت على التوالي في معاهد عليا لتكوين المعلمين، فمعاهد مهن التربية وأخيرا الإجازة الوطنية للتربية والتعليم.
ويمكن أن نذكر سببين رئيسيّين، على الأقلّ، لنشأة هذه المؤسّسات الجامعيّة المختصّة في التّكوين الأساسي للمدرّسين في تونس:
• يتلخّص السّبب الأوّل في مطلب مهني مثّل محلّ اتّفاق بين المؤسّسة التّربوية والمجموعة المرجعيّة المهنيّة للمدرّسين، ويتمثّل هذا المشروع المهني في تركيز تكوين أساسي موحّد بين مدرّسي الابتدائي والثّانوي تجاوزا للصيغة التّقليديّة التي يتمّ بمقتضاها تكوين الأساتذة في منظومة التّعليم العالي وتكوين المعلّمين في منظومة التّعليم الثّانوي من خلال مدارس التّرشيح. ويهدف هذا المشروع المهني إلى الرّفع من تكوين المدرّسين ومنحهم تكوينا جامعيّا يتمّ خلاله بالأساس دعم المعارف الأكاديمية. وتعتبر مسألة العناية بتمتين المعارف النّظريّة في مختلف المواد المدرسيّة في هذا التوجّه المعيار الأهمّ الذي يعتمده التّعليم العالي في منح الشّهادات الجامعيّة، ونجد صدى ذلك في النّصّ القانوني لنظام الدّراسات بالمعاهد العليا لتكوين المعلّمين الذي يبيّن مدى التّركيز الكمّي على المعارف الأكاديميّة خلال السّنتين المخصّصتين للتّكوين. والسّؤال المطروح في هذا المجال:
* إلى أيّ مدى يمكن لهذا التّكوين الجامعي المؤسّس على المعارف الأكاديميّة أن يوفّر الأدوات الضّرورية لتكوين مهني لمدرّسين يحتاجون إلى بناء قاعدة معرفيّة موجّهة نحو الفعل تمكّنهم من إنتاج ممارسة بيداغوجية متجدّدة؟
• ويعود السّبب الثّاني لنشأة المعاهد العليا لتكوين المعلّمين أولا، ومعاهدة مهن التربية ثانيا في تونس إلى الرّهانات التي رفعتها المنظومة التّربويّة في مشروعها الوطني الصّادر في قانوني جويلية (1991 و2002). فجلّ التّجديدات البيداغوجيّة (المقاربة بالكفايات، التّربية قبل المدرسيّة، المدارس ذات الأولويّة التّربويّة، مشروع المؤسّسة التّربويّة، إدماج التكنولوجيات الحديثة…) التي أقبلت عليها المدرسة التّونسيّة في ذلك الوقت أكّدت توجّه الرّسالة التّربويّة نحو ديمقراطيّة التّعليم ومواجهة الفشل المدرسي وتطوير نوعيّة مكتسبات المتعلّمين. فأداء النّظام التّربوي لم يعد يقاس بنسب التّمدرس فحسب، ولا بما يخصّص من النّاتج الدّاخلي الخام لقطاع التّربية، بل بعدد المتخرّجين من المؤسّسة التّربويّة بمكتسبات جيّدة تمكّنهم من الاندماج السليم في المجتمع مقارنة بعدد المسجّلين من الفوج نفسه. ولا نخال ذلك يتحقّق دون إدخال مواصفات التّمهين على المنظومة التّربويّة وتحرير المبادرات وتشجيع التّجديد. وهي مسألة شديدة الارتباط بتمهين المدرّسين وتطوير كفاياتهم البيداغوجيّة. ولبلوغ ذلك تقرّر الابتعاد عن النّمط التّكويني المعمول به داخل مدارس التّرشيح والقائم في فلسفته على محاكاة المدرّسين المكوّنين وإعادة إنتاج الممارسات البيداغوجيّة المنتشرة لديهم ضمانا للتّواصل بين أجيال المجموعة المرجعيّة للمدرسين. كما تقرّر للسبب ذاته الاعتماد على المؤسسات الجامعيّة المختصّة التي تؤمّن تكوينا أكاديميّا متينا. والسؤال المطروح أيضا هنا:
* إلى أيّ مدى تمكّنت هذه المؤسّسات الجامعيّة من بلوغ الأهداف التي بني عليها هذا المشروع الوطني وبالتالي تجسيم المطلب الاجتماعي المهني؟
واستفادة من قراءة متبصّرة لواقع منظومة التكوين في تونس، يفترض أن يعمل المهتمون بالشأن التربوي اليوم على حسن قراءة للسياقات التاريخية الاجتماعية المهنية التي مثلت إطارها العام، وذلك قصد ترشيد الخيارات التي قد يتم أخذها بشأن تكوين المدرسين. إن التحول نحول تعهد التعليم العالي بمسألة تكوين مدرسي الابتدائي والثانوي مثل في تاريخنا نقلة نوعية يفترض دعمها بخيارات نوعية جديرة بأن تكسب الرهان المجتمعي المعاصر. فبالعودة إلى تاريخ نشأة ظاهرة تكوين المدرّسين في منظومة التّعليم العالي وتطوّرها عبر الزّمن يؤكّد مدى ارتباط هذا التّوجّه التربوي بالظّروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة في مختلف المجتمعات. إنه أجراء تاريخي يندرج في إطار توجّه عالمي يهدف إلى إعادة تأسيس التّكوين المهني عامّة من خلال إدماجه في التّعليم العالي لمزيد تطويره (Raymond, 1998).





