
طباخ الريس وسيكولوجية الجماهير
رؤية د/علوي القاضي
وصلاً بماسبق ، فإن الكاتب يوسف معاطي أجاد وأفاض واستفاض في عرض الأفكار والأحداث والمشاهد والمواقف بأسلوب شيق وسلس ، لدرجة أن المشاهد لايمل من المشاهدة بل ويستمر ويتوقع ويتفاعل لمابعد الموقف في الفيلم د “ز . ع” أمين عام رئاسة الجمهورية ، حينما أراد أن يبعد الطباخ عن الريس لأنه نبض الشعب الحقيقي والرئيس يستقي منه الأخبار الحقيقية ، زور له تحليل الفيروسات ، وأنهى خدمته خوفاً على الرئيس من العدوى ، بناء على ذلك فإن أي شخص يقول الحق يتحول فجأة إلى وباء
وبالبحث وجدت مشهداً مفقوداً من الفيلم ، وفيه أن الرئيس جمع حاشيته وجهز جوالاً من البذور ووزع منها عليهم ، وطلب منهم أن يزرعوها ووعد كل من يأتي له بعد ستة أشهر ومعه ورد من إنتاجه ، له مكافأة كبيرة ومرت الأيام والشهور كل واحد منهم حضر وهو يحمل بوكيهات من الورد أشكالاً وألواناً ، إلا طباخ الريس ، دخل ويديه فارغتان ، فسأله الرئيس ، إنت مزرعتش الحبوب ولاأيه ؟! ، فين الورد اللي زرعته ؟! ، فقال الطباخ : ياريس الحبوب اللي وزعتها علينا حبوب برسيم مش ورد ، إحتضنه الرئيس وكافأه على صدقه وأمانته
ومشهد آخر في الفيلم يعكس مدى إحكام سيطرة الحاشية والبطانة على مقادير الشعب ، الرئيس يطلب منهم النزول للشارع ليرى الناس علي طبيعتهم بدون إجراءات أمنية أو حراسة ، حاشيته وأعوانه فكروا في فكرة تمنع نزول الناس للشارع ، ويدعوا أي خبر يمنع الناس من النزول ليتلاشوا مقابلة الرئيس للناس والوقوف على أحوالهم وكشف زيف بطانته وأخبارهم الكاذبة ، منهم من قال : هنقول خبر إن كوكب هايخبط الأرض أو نخلي بكره يوم عيد وأجازة رسمية أو أي حجة يعني ، وفي الٱخر إستقروا على أن يقولوا إن اللي هاينزل بكره هيتعمي لأن الشمس هتصدر أشعة ضارة بالعين وبالفعل محدش نزل الشارع ، والغريب بقي في العصور السالفة إن بالفعل وفى الواقع صدر قرارات مشابه بتعطيل الدراسة ، والخبر رسمي ومؤكد إن في عواصف وأمطار وفعلا محدش نزل وقعدوا في البيت ، هذا خلاف أحداث أخرى متتالية تكريم الراقصة التي تحولت لأم مثالية فجأة وأخبار الرياضة وغيرها من أخبار التلاهى المقصودة التي تشغل الناس وتلهيهم
فى نهايات فيلم طباخ الريس ، بعد طرد الطباخ من عمله والبلدية أزالت عربية الوجبات ، وزوجته فصلت من عملها ، ذهب متوجهاً لقصر الرئاسة لعله يحظى بمقابلة الريس ، ولكن الأمن منعه بل وصوب السلاح ناحيته وضاقت به كل السبل ، هداه تفكيره وساقته قدماه وذهب إلى أكبر وأشهر ميدان هذا المشهد في الفينال من المؤكد إنه كان صدفة ولم يكن مقصوداً ولم يريد به المخرج أن يوصل رسالة أن الميدان هو الحل ، وليس فيها أي تحريض أو توقع للثورة ، خصوصاً إن الطباخ
ك ممثل في شخصه الحقيقي ، كان من أكبر الرافضين والمهاجمين للثورة والثوار ، إبان حدوثها ولاننسى التهم التي ألصقها لهم وتعليقاته المشينة عن الثوار ، الشاهد هنا إن معظم الرؤى وحديث النفس والأحلام أو اللقطات أو الكتابات التي تتحقق بعد ذلك لاتكون مقصودة ، لأننا نعيش فى عالم يسكنه مليارات البشر ، لهم مصالح وإهتمامات وأحلام مختلفة ، ولايوجد أحد متحكم فى مجرى الأحداث ولا يعرف المستقبل غير الله سبحانه وتعالى
وخلاصة ماتقدم في الأجزاء السابقة ، فالمتابع والمدقق في الفيلم يلاحظ أن الرئيس من أول الفيلم وهو يحاول أن يقرأ المشهد بدقة لكن للأسف كان مساعده أمين عام الرئاسة (ز . ع) دائما يضلله ، وده كان واضح جدا في مشاهد كثيرة ، بداية من سعر الكشري ، والتعديات في قسم الشرطة لغاية ما الرئيس حب ينزل بنفسه يشوف الشعب عامل إيه وهذه كانت لفته جميله من الكاتب في الفيلم ، وطبعاً قال الرئيس جملته المشهورة “وديت الشعب فين ياحازم ”
.هل (ز . ع) كان سيئاً ؟! ، لأ طبعا هو فقط لايريد للرئيس الحزن أو الصدمة من حال البلد ، وهل حازم كان فاسداً ؟!
ٱه طبعا لأنه كان يضلل الرئيس في الفيلم
السؤال هنا رغم إن الريس في الفيلم كان إنسان كويس جداً ، لماذا لم يقم بثورة تصحيح يقيل فيها الحكومة ويحقق معهم في قضايا الفساد ويحاسبهم ؟! ، وليه معملش إقالة فورية ل حازم نفسه بدلاً من تأجيلها لٱخر الأحداث ؟!
والتفسير الوحيد لذلك في الفيلم كان واضح إن الريس كان ضعيف ولايستطيع السيطرة على الحكم ولامحاكمة الفاسدين ، وأن حاشيته من حوله هم الذين يحكمون البلد ويحركوها يميناً ويساراً لدرجة أنهم إستعانوا بكومبارسات وهذا حصل حقيقى مع رؤساء سابقين ، حصل مع الرئيس السابق
(أ . س) لما سأل وزير الزراعة (س . م ) عن مزرعة الأبقار ولم تكن موجودة بالفعل ولما أمر بزيارتها أجروا حيوانات وأنشأوا المزرعة في أقل من ٢٤ساعة واكتشف الرئيس ٱنذاك زيفهم وكذبهم ، وفي نهاية الفيلم حينما أراد الطباخ توصيل صوتة للريس لكنه قوبل بالرفض ومنع من دخول القصر وظل يسير في الشوارع حتى وصل إلى أكبر ميدان وجلس فيه وهو يركز نظره على صورة الريس وكأنه إما يتوعده أو يعاتبه أو يسترحمه
أيها الأحباب ، من أهم رسائل (الأدب) و (الفن) أنهما يجب أن يكونا على مسافة مع السلطة ، ليس عيباً أن يناقش الأديب أو الكاتب أوالمؤلف يوسف معاطي أو غيره فترة زمنية معينة ، أوشخصية في حد ذاتها ، لكن العيب حقاً ، هو ألا يترك مجالاً للزمن السياسي لأن يمر ويتناولها بكل حيادية
وكذلك دور الفن لايقل عن الأدب أهمية فالسينما النظيفة ، ليست هي السينما التي تلامس الأخلاق وتدغدغها ، لأن نظافة السينما مرتبطة بالذمة والمسؤولية القيمية تجاه المجتمعات ، وهذا لايتأتى إلا بامتلاك عقيدة سينمائية صرفة ، أي وجهة النظر الموضوعية للمواضيع المطروحة
في النهاية ، المخاض السياسي للمجتمعات ، أسس لديها مايصطلح عليه ب سينما اللاموقف ، وهي أعمال لاتنتصر لأحد ، ولاحتى للتاريخ ، ولا للحقائق ، وهنا يكمن الفرق ، فعندما يتم تناول التاريخ ، على المؤلف ألا يفتقر للموقف
وكان لإختيار البطل الطباخ ومن تدور حوله فك عقدة الفيلم وعلى نفس طريقة الفيلم ، يقوم الملوك والأمراء والرؤساء والمشاهير حول العالم بالإستعانة بالطباخين المهرة ، حيث أن التغذية السليمة واللياقة البدنية أساس لياقتهم العقلية ومن ثم اعتبر رأس مال المشاهير ، وهناك شروط خاصة لإختيار طباخي الرؤساء والمشاهير ، منها أن يكون قادراً على التعامل مع مطابخ القصور وإعداد القوائم الكلاسيكية والمعاصرة في مختلف الأحداث والمناسبات ، ونظراً لدور الطباخين في حياة المشاهير أفردت لهم المجلات العالمية مساحةً وافرةً لمعرفة تفاصيل النظام الغذائي للحكام ونجوم الفن والرياضة حول العالم
وإلى لقاء في الجزء الخامس والأخير إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة.






