
بقلم/ احمد درويش العربى
قصة قصيرة من مجموعتى القصصية صدى الارواح
شرفة غرفتي… هي كل ما تبقّى لي من الحياة.
من خلالها أراقب حركة الناس ذهابًا وإيابًا، أحاول أن أتلمّس نبض الشارع، صدى خطوات المارة، ضحكاتهم وأحاديثهم… تلك الحركة التي أصبحت عاجزًا عنها، بعد أن صرت قعيدًا فوق كرسي لا يتحرك إلا بإذن من يدفعه ويقرر عني متى وأين أذهب.
لا أعلم كيف انتهت بي الأمور إلى هذا الحال.
كل ما أتذكره أنني استيقظت ذات صباح على سرير أبيض، في غرفة تعج بالأطباء والممرضين، تحيط بي الأجهزة واللفائف.
كان رأسي يئن من صداع فظيع، وبدني بلا إحساس، وكأن الحياة قد غادرت أطرافي.
وفجأة، خيّم صمت ثقيل على الغرفة.
دخل رجل مهيب، اتجه نحوي بخطوات واثقة.
سكنت الشفاه وكأنها أقفلت بأقفال خزائن قارون غير أن مفاتيحها قد فُقدت، وتوقفت الأيدي. بدا واضحًا احترام الجميع لهذا الرجل المهيب.
اقترب مني، ووضع يده على رأسي الملفوف بالشاش، ثم فتح جفنيّ وتأمل عينيّ.
طرقع بإصبعيه بجوار أذني، فاستجبت.
قال بصوت هادئ:
“حمدًا لله… حاسة السمع لديك تعمل.
ما اسمك؟
سؤال بسيط، لكنه وقع على أذني كالصاعقة.
اسمي؟!
فتشت في عقلي كمن يبحث عن مفتاح مفقود في غرفة مظلمة.
لم أجد شيئًا.
تعرّق جبيني، لكن أطرافي لم تتحرك.
رأيت في عيني الطبيب لمحة شفقة، رغم محاولاته التلطيف.
“ما الذي حدث لي؟
ما الذي أصابني؟
كيف وصلت إلى هنا؟
أشار إليّ بالهدوء، وقال:
سأخبرك بكل شيء، لقد تعرضتَ لضربة شديدة بأداة صلبة على الرأس، أدخلتك في غيبوبة استمرت قرابة ستة أشهر.
عثر عليك بعض الشباب على شاطئ البحر فاقدًا للوعي، دون أي أوراق ثبوتية.
نقلوك إلى المستشفى، ولم يتعرف عليك أحد حتى اليوم.
نشرت الشرطة صورتك في الصحف والفضائيات، لكن لا أحد جاء… لا أحد سأل عنك.
سكت لحظة، ثم واصل بتردد ظاهر:
والأصعب… أنك أصبت بشلل كامل.
حالتك لا تسمح بعودة الحركة إلى جسدك.
وللأسف، تبين لنا الآن أنك فقدت ذاكرتك أيضًا
ساد الصمت.
كانت العيون مشحونة بكلمات لم تُقل.
نظرات الشفقة وحدها كانت تتحدث.
ومنذ ذلك الحين، صرت نزيلًا في دار رعاية يمولها رجل أعمال يُدعى فارس مهران.
اسمه… غريب، لكنه يبدو مألوفًا لأذني!
كلما نطقه أحد، شعرت برجفة داخلية، كأن بيني وبينه صلة خفية.
اليوم، أجلس أمام الشرفة، لا أنظر إلى شيء بعينه.
الصور تتوالى أمامي… مشاهد تقتحم ذهني فجأة…
مبنى شاهق يحمل لافتة ضخمة. “فارس جروب”
وأنا في أعلى المبنى، أجلس خلف مكتب فاخر.
الباب يُطرق، يدخل رجل خمسيني بملامح حازمة.
أرحب به وأصافحه.
أهلًا أستاذ مروان
كانت بطاقة التعريف المعلقة على صدره تحمل اسم مروان فوزي مدير عام حسابات المجموعة.
تحدث إليّ قائلًا:
مرحبًا أستاذ فارس… أعتذر عن الإزعاج، لكن الأمر لا يحتمل تأجيلًا.
ثم ناولني ملفًا متخمًا بالأوراق.
كان يحمل الكارثة.
الاسم على الأوراق… كان لأقرب الناس إليّ.
رفيق الطفولة، من ربّاه والدي معي بعدما فقد والده الذي كان يعمل حارسًا شخصيًا لأبي، وقتل في محاولة اغتيال كان المقصود بها أبي.
تكفّل أبي بتربيته، واتخذه ابنًا ثانيًا له، فصار أخًا لي.
سرقة… اختلاس… رشاوى… تعاقدات فاسدةخيانة بكل الأشكال.
لم أصدق.
هذا هو من كتبتُ في وصيتي أن تؤول إليه كل ممتلكاتي، لأني لن أُرزق بذرية بسبب حالة مرضية، يستحيل معها الإنجاب.
ولم يكن في الدنيا من هو أقرب إلى قلبي منه.
هذا من جعلته واجهةً للمجموعة حتى رضيت أنا أن أكون رئيسًا لها في الخفاء، وهو الرئيس في العلن.
واجهته.
هددته بالطرد من حياتي ومن المجموعة.
كنت آمل أن ينهار، أن يبرر، أن يعترف بندم.
لكنه لم يفعل.
غادر بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن.
وفي تلك الليلة…
وصلتني منه رسالة مقتضبة، يعتذر فيها، ويتوسل إليّ أن أذهب إلى الشاطئ ، شاطئ صبانا الذي يحمل الكثير من الذكريات المشتركة بيننا.
قال إنه سينهي حياته إن لم أسامحه.
ذهبت إليه.
ركضت نحوه.
فتحت ذراعيّ له…
لكنّ ذراعيه لم تفتحا للعناق، بل لضربة مباغتة على رأسي، بمضرب البيسبول الذي أخفاه بين ملابسه.
وهكذا، أصبحت شرفة غرفتي عالمي الصغير.
أراقب الخارج، لكن لا أثق فيه.
قررت أنه لا داعي للمقاومة، لا داعي للقتال.
قررت قضاء ما تبقى لي في الخفاء، زاهدًا في الذاكرة.
ففي خارج شرفتي…
الذئاب تتنكر في ثياب الحملان





