
خلود الأرواح
بقلم/ محمد كفاية الله
كنت أمر بتلك الشجرة كل يوم، بتلك الشجرة التي أراها في غدوتي وروحتي وقد أذبلتها أيدي الشتاء، وأطفأت البرودة سحر غصونها وسحر أوراقها ، ولم تعد للناظر فيها إلا عظاما بالية، وجلودا ذات تجاعيد، ووجها كوجه العجوز، وجسما كجسم الهرم الذي بلغ من عمره ثماثين عاما واتخذ عصاه رجلا ثالثا..
مررت بتلك الشجرة كعادتي كل يوم، مررت وفكرة في داخلي تعاودني مرة بعد أخرى ” كيف يحيي الله هذه الشجرة بعد موتها؟ “، وما أن تسائلت في نفسي حتى ذهبت بي ذاكرتي إلى نبي الله عزير – عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم – وهو يسائل في نفسه السؤال نفسه في قرية خاوية على عروشها قائلا (أنى يحيي هذه الله بعد موتها) وقد حدثنا القرآن أن الله أماته مائة عام ثم بعثه…
ليس هناك أي عجب في إحياء الموتى، فالحي الذي ذاق الموت قد كان ميتا معدوما في حين من الأحيان بالفعل، فقد أدخله الله تعالى بمشيئته من عداد الموتى إلى زمرة الأحياء، ثم نقله من زمرة الأحياء إلى عداد الموتى مرة ثانية، فالأصل في الأشياء الموت والعدد، ووجوده بسبب بأمر من الله سبحانه وتعالى، فالموت والحياة والعدم والوجود كلاهما بأمر الله وإرادته وحكمه وقدرته، والذي قدر على الإيجاد من العدم أول مرة قادر على إعادة الإيجاد بعد موته تارة أخرى..
وهل الأرواح تقنى وتموت عندما تموت أجسادها التي هي بمثابة الوعاء لها؟ الجواب واضح جدا، الأرواح لا تموت ولا تفنى، فلقد كانت الأرواح ولم تكن الأجساد، خلقت الأرواح وما خلقت الأجساد معها، سبقت الأرواح أجسادها بزمان لا يعلمه إلا الله، وكذلك الأرواح لا تتكون خلقتها في أرحام الأنثى، وإنما هي تنفخ في أجسادها التي تنشأ في أرحامها..
لا تموت الأرواح حين تموت أجسادها، وإنما هي تفارقها لأجل مسمى، وتقبضها ملك الموت من الأجسام قبضا من دون أن تفنى ويصيبها العدم، ليعيش في نعيمها إن صالحا في الدنيا أو في جحيمها إن طالحا فيها، ثم إن هذه الأرواح يعيدها الله إلى أجساد أصحابها، والأجساد وإن هي ماتت وأصحبحت رميما وعظاما بالية إلا أن الله سبحانه وتعالى قدر أن لا تفنى عجب ذنبها، فيتكون سائر أجزاء الجسم من عجب ذنب كل جسم من الأجسام، فعجب الذنب تماما يشبه النطفة، فالنطفة التي تخرج من بين الصلب والترائب يتكون منه الجسم كله من دون أن تحتوي هذه النطفة على أيد وأرجل، ووجه ورأس وعين وأنف وأذن، وإلا كان محالا أن تتدفق من بين الصلب والترائب، لكن الله خلق الجسم كله من نطفة ثم نفخ فيه الروح فأصبح كائنا حيا يتحرك ويسعى..
وهكذا نرى أن الأرواح لا تفنى بعد خلقها، فهي كانت قبل حياة الأجسام، وتبقى بعد موت الأجسام، ثم إذا يحيي الله الموتى ينفخ فيها أرواحها التي كانت معها في الدنيا فتكون معها في الآخرة إلى أن يشاء الله، ثم تخلد هذه الأرواح في نعيمها في الجنة أو في عذابها في نار جهنم، وقد ينشأ الله أجساما لهذه الأرواح نشأة جديدة تليق بنعيمها أو جحيمها.. فالأرواح في خلودها والأجسام دوما في فنائها، وما أحرى بنا أن نعتني بأرواحنا أكثر من أجسامنا التي تصيبها يد الفناء..





