
كتب: إبراهيم رمضان الهمامــــي
تُعد حرب حزيران/ يونيو 1967، أو ما يُعرف بنكسة حزيران، واحدة من أخطر المحطات في التاريخ العربي الحديث، إذ لم تكن مجرد معركة عسكرية خسرها العرب في أيام معدودة، بل كانت زلزالاً سياسياً واستراتيجياً ترك آثاره على المنطقة بأكملها لعقود طويلة. ففي صباح الخامس من يونيو باغتت إسرائيل الجيوش العربية بضربة جوية مركزة دمّرت خلالها معظم الطيران المصري والسوري والأردني وهو رابض على الأرض، الأمر الذي شلّ قدرة العرب على المواجهة، ومهّد لتقدم بري سريع منح الاحتلال السيطرة على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، ومرتفعات الجولان السورية، بالإضافة إلى شبه جزيرة سيناء المصرية. خلال ستة أيام فقط تضاعفت مساحة الأراضي التي يحتلها الكيان الصهيوني، وأصبح يفرض واقعاً جديداً غيّر موازين القوى وأضعف الموقف العربي في أي مفاوضات لاحقة.
لم تقف نتائج هذه الحرب عند حدود الأرض المحتلة، بل امتدت لتشمل الجانب الإنساني والسياسي. فقد شُرّد أكثر من 330 ألف فلسطيني من بيوتهم لينضموا إلى موجات اللاجئين منذ عام 1948، وتوزعوا بين الضفة والأردن ولبنان في ظروف قاسية، فيما خسر العرب آلاف الجنود بين قتيل وأسير. وأصبحت صور الجنود المصريين الأسرى في الصحراء رمزاً للهزيمة والانكسار، في وقت كان الاحتلال يرفع أعلامه على المسجد الأقصى وقبة الصخرة معلناً سقوط القدس الشرقية، وهو مشهد هز الضمير العربي والإسلامي وترك جرحاً لم يندمل حتى اليوم.
هذه النكسة لم تكن هزيمة عسكرية فقط، بل صدمة حضارية عميقة أطاحت بالشعارات الكبرى التي رفعتها الأنظمة، وخاصة المشروع القومي الذي كان يقوده جمال عبد الناصر. فقد أدركت الشعوب العربية أن الشعارات لا تكفي لتحرير الأرض، وأن التفوق العسكري والتنظيم الفعّال هو الذي يحدد مسار الصراع. خرجت المظاهرات الغاضبة في القاهرة ودمشق وبيروت وعمان تطالب بالثأر ورد الكرامة، لكن الواقع أظهر أن الأنظمة منهكة وعاجزة عن تحقيق توازن مع عدو مدعوم سياسياً وعسكرياً من القوى الغربية. ومن هنا، فقد مثّلت النكسة لحظة مراجعة مؤلمة للواقع العربي، ونقطة بداية للتفكير في استراتيجيات جديدة لمواجهة الاحتلال.
ورغم مرارة الهزيمة، فإن نكسة 1967 أفرزت تحوّلاً نوعياً في مسار القضية الفلسطينية، إذ أدرك الفلسطينيون أن الاعتماد على الأنظمة العربية وحدها لم يعد خياراً، فظهرت الفصائل الفلسطينية المسلحة وتصدّرت قيادة المواجهة. اتخذت هذه الفصائل الكفاح المسلح وسيلة رئيسية، لتؤكد أن استعادة الأرض لا تتحقق إلا عبر النضال المباشر، وأن الشعب الفلسطيني هو الأجدر بحمل راية التحرير. لقد كان ذلك التحول التاريخي بداية مرحلة جديدة من النضال، جعلت القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الدولي، ورسخت أن المقاومة هي الطريق الوحيد لمواجهة مشروع استيطاني توسعي لا يفهم إلا لغة القوة.
إن حرب 1967، بما حملته من خسائر فادحة على المستويات الجغرافية والعسكرية والسياسية والإنسانية، لم تكن نهاية الطريق، بل بداية لمسار طويل كشف هشاشة الواقع العربي وأكد في الوقت نفسه أن إرادة الشعوب قادرة على النهوض من تحت الركام. لقد بقيت النكسة جرحاً مفتوحاً في ضمير الأمة، لكنها أيضاً تحولت إلى درس قاسٍ دفع إلى وعي جديد بأن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالب، وأن الاحتلال مهما طال عمره سيبقى غريباً عن الأرض، فيما تبقى القدس وفلسطين القضية المركزية وبوصلة الصراع التي لا يمكن أن تسقط بالتقادم أو تُمحى من وجدان العرب والمسلمين.





