
حب وكبرياء
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
إذا ما استبدّ بك الاغتراب، ونازعتك نفسك إلى سلوك دروب الهجر، وأزمعتَ الرحيل عن عالمي؛ فلا تقف ببابي مستأذناً، ولا تطرق أركان صمتي مودعاً. ارحل في صمتٍ يليقُ ببرود مشاعرك، وامضِ حيث شئت دون مبرراتٍ واهية أو أعذارٍ متكلفة. لستُ ممن يستجدون الوصال، ولا ممن يرهنون نبض قلوبهم بفتات الودّ المتساقط من موائد الشفقة. ارحل، وعليك مني أمانُ الواثقين، وسلامُ المكتفين بذواتهم، فما كان وجودك في حياتي إلا فصلاً، وما كان رحيلك إلا نقطةً في آخر سطرٍ لم يعد يغري بالقراءة.
لكن، وقبل أن تطوي بساط القرب، اعلم يقيناً أن للزمان دوراتٍ لا تخطئ، وللأيام موازين قسطٍ لا تميل. ستتجرع من كؤوس الغربة مراراً، وتذوق من عذابات الزمان ما سُقيتُه يوماً بصبرٍ وجلد. هي الأيام دول، وكما تدينُ تدان، والقدرُ مخبأٌ في ثنايا القادم، سيعيدُ إليك الصاع صاعين، ويذيقك من طعم الخذلان ما يجعلك تدرك قيمة ما أضعت.
قد تأخذني إليك أحياناً صفعاتُ الشوق العاتية، وقد يعصرُ الحنينُ فؤادي في لحظة ضعفٍ إنسانية، لكنني سأظلُّ واقفةً خلف جدار كبريائي الصلب. أما أنت، فستعاني من لعنة النسيان التي ستحاولُ أن تواري بها سوءة غيابك، لكن ذكراي ستطاردك كطيفٍ لا يرحل، وسرابٍ يلمعُ في صحراء وحدتك.
سيدي، إنَّ دستوري في الحياة واضحُ المعالم، صارمُ الأحكام: “لا بقاء لمن لا يعرفُ قدر الوفاء، ولا استثناء لمن استمرأ الجفاء”. لقد رفعتُ شعار الكبرياء منذ اللحظة التي أبصرتُ فيها عيناي النور؛ فأنا منذ مولدي جبلٌ راسخٌ لا تهزه رياحُ العابرين، وقمةٌ شامخةٌ تأنفُ الانحناء لغير باريها. كرامتي ليست مجرد كلمة، بل هي سماءٌ شاهقة لا تطالها يدُ العبث، وحصنٌ منيع لا يقتحمه المستهترون.
واعلم حق العلم، أنك في اللحظة التي قررتَ فيها الرحيل، لم تكن توقعُ صكَّ حريتك، بل كنتَ تخطُّ بيمينك وثيقة وفاتك في عالمي للأبد. لقد أعدمتَ بيدك تلك الروح التي كانت تنبضُ لأجلك، وأغلقتَ الأبواب التي كانت تشرعُ لك الفردوس. لقد كان قلبي لك هو الحياة، هو الملاذ، وهو الوطن.. وبمغادرتك له، فقد اخترتَ لنفسك المنافي السرمدية، وحكمتَ على وجودك في ذاكرتي بالعدم والزوال.





