
ثورة التصحيح تُعيد رسم المشهد السياسي
بقلم: خالد مراد
في لحظة بدت أقرب إلى جرس إنذار يوقظ الحياة السياسية من سباتها، تقدّم القائد الشجاع عبد الفتاح السيسي ليعلن — وفق ما تتداوله الأوساط السياسية وتحليلات المراقبين — بداية مرحلة جديدة أشبه بـ”ثورة تصحيح” تستهدف تنقية المشهد العام من عبث المال السياسي وممارسات بعض المرشحين التي تجاوزت حدود المنافسة الشريفة وهدّدت ثقة الناس في العملية الانتخابية نفسها.
هذه الخطوة التي وصفها مراقبون بأنها “الأكثر جرأة منذ سنوات”، حملت رسالة واضحة:
لن يُسمح بعد اليوم بأن تُشترى إرادة المواطنين أو تُختطف العملية الانتخابية تحت ضغط حقائب الأموال.
لقد جاء هذا التحول — في توقيت شديد الحساسية — ليعيد ترتيب موازين السياسة، خصوصًا بعدما شعر المواطن بأن حماية صوته لم تعد مضمونة، وأن المال السياسي بدأ يحاول التمدد داخل المساحات التي خُلقت لتكون رمزًا للنزاهة.
ولعلّ ما عزّز من قوة هذا التحرك هو تلك الكلمات التي لا يمكن تجاهلها، حين عبّر بوضوحٍ لا يحتمل التأويل مؤكدًا أنه لا أحد فوق القانون، وأن الجميع سيُحاسب دون استثناء. كان ذلك القسم بمثابة إعلان صريح بأن زمن الحصانة الشخصية والمصالح الخاصة قد انتهى، وأن الدولة تتجه نحو نموذج جديد تُعاد فيه الهيبة لمؤسساتها، وتُفتح فيه أبواب المحاسبة بلا تردد ولا تمييز.
إن انحياز الرئيس للشعب — الذي لم يعد له حماية سوى الدولة — لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إعادة تثبيت لقاعدة وطنية راسخة:
الشرعية تُكتسب من الناس… لا من المال ولا من النفوذ.
ومع تصاعد هذه الرسائل الحاسمة، أخذ الشارع يلتقط إشارات تؤكد أن ثورة التصحيح ليست قرارًا عابرًا، بل مسارًا ممتدًا يستهدف تنظيف الحياة السياسية من شوائبها، وردع كل من يحاول العبث بإرادة الناخبين. فقد وضع هذا المسار حدودًا جديدة للعبة السياسية، لتبدأ مرحلة واضحة:
سياسة نظيفة… أو خروج من المشهد.
لقد بدأت الدولة بالفعل في سد الثغرات التي استغلها البعض عبر المال السياسي، وتفعيل منظومة رقابية أكثر صرامة، وإعادة الاعتبار لصوت المواطن باعتباره الرهان الأول والأخير في تشكيل مستقبل الدولة. ومع كل خطوة حاسمة، يتراجع نفوذ شبكات المصالح، وتتساقط أقنعة من ظنوا أن نفوذهم يُعطيهم حصانة، أو أن تجاوزاتهم تمر بلا حساب.
ومع أن المشهد السياسي اهتز مؤخرًا بفعل الممارسات المنفلتة، فإن هذه الرسائل الرئاسية أعادت الانضباط إلى قواعد اللعبة، ورسخت قناعة بأن ثورة التصحيح قد بدأت بالفعل، وأنها ماضية حتى تُعاد صياغة السياسة على أسس تحترم القانون، وتُصان فيها كرامة الناخب، وتُستأصل منها جذور الفساد مهما بلغت قوتها.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تعديل في المشهد، بل تأسيس لمرحلة جديدة تضع الدولة على طريق أكثر صلابة، وتمنح المواطن شعورًا بأن صوته أصبح له قيمة لا يمكن أن ينازعها مال أو نفوذ أو حملات تضليل.
ومع هذا الزخم، تبدو السنوات المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحويل هذه الثورة التصحيحية من موقفٍ إلى منظومة، ومن رسالةٍ إلى واقع يعيشه الناس يومًا بعد يوم.





