
ثمرات الإفتقار إلي الله
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اليوم : الثلاثاء الموافق 17 سبتمبر 2024
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين ثم أما بعد إن شهر رمضان شهر القرآن والإنفاق والقرب من الله عز وجل، فليس شهر السهرات، وشهر الولائم، وشهر المسلسلات، وشهر الأعمال الفنية التي تصنع خصيصا لرمضان، إكراما لهذا الشهر، وهذا الشهر أراده الناس على غير ما أراده الله عز وجل، فإنه شهر عبادة، وإنه شهر إنابة، وإنه شهر تقوى، وإنه شهر القرآن، وإنه شهر الإنفاق، وإنه شهر القرب، وإنه شهر الحب، وهكذا أراده الله عز وجل ، فإنه فرصة، وفرصة ثانوية، وتصطلح فيه مع الله، وتفتح مع الله صفحة جديدة، وهذه العادات تكبلنا، وتعيق إنطلاقنا إلى الله عز وجل.
وأنه ينبغي أن تصوم كما أراد الله تعالي، وينبغي أن ترقى كما أراد الله عز وجل، هذا شهر يصوم فيه الناس، والله بعض الناس يصومون أحيانا صوما لا معنى له، ولا يدعون قول الزور ولا العمل به، لا يكفون عن غيبة ولا عن نميمة، لا يغضون أبصارهم عمّا لا يحل، فهم عاديون، إلا أنهم حولوا الوجبات النهارية إلى وجبات ليلية فقط، لذلك هذا الشهر شرعه الله لنا كي نتابع الرقي إلى الله، وهذا مستوى، وقد شرعه لنا كي ندافع التدني، فإما أن تتابع الترقي، وإما أن تدافع التدني، لكن الشيء الذي لا يعقل أن يصوم الإنسان كالناقة حبسها أهلها، لا تدري لماذا حبست، ولا لماذا أطلقت، وكما أن شهر رمضان فرصة ذهبية سنوية تصطلح فيه مع الله تعالي، وتعلم بماذا أمرك الله في رمضان؟
وهو أن تدع الطعام والشراب، وأن تدع ما هو مباح لك في الليل، فأنت حينما لا سمح الله ولا قدر تفعل شيئا من المعاصي يختل توازنك، لقد تركت المباح، فلأن تدع المحرّم من باب أولى، فهذا الذي يغتاب، وهذا الذي يشهد شهادة زور، وهذا الذي يحلف أيمانا كاذبة، وهذا الذي يطلق بصره في رمضان، وهو ممتنع عما هو مباح خارج رمضان، فلأن يكون ممتنعا عن الحرام من باب أولى، ويختل توازن الصائم حينما يدع ما هو مباح، ويقترف ما هو غير مباح، فهذا الذي لا يستطيع أن يدع طعامه وشرابه، ولا يستطيع أن يدع معاشرة أهله، ولا أن يدع المعاصي والآثام، وهذا منهزم أمام نفسه، ولن يستطيع أن ينتصر على عدو في حياته كلها، ولن تستطيع أن تنتصر على عدو إلا إذا كنت منتصرا على نفسك في رمضان.
فكان النبي صلي الله عليه وسلم من بني البشر، ولماذا كان يجري عليه كل ما يجري على البشر، لأنه إنتصر على نفسه فكان سيد البشر، فمن معاني الصيام هو إنك أنت مفتقر إلى الله عز وجل، ومفتقر في وجودك إليه، ومفتقر إليه في إستمرار وجودك، ومفتقر في كمال وجودك إليه، ومفتقر إلى هذه اللقيمات التي تأكلها، ومفتقر إلى كأس الماء الذي تشربه، فأنت في الإفطار تأكل وتشرب وتنام، تشعر بقوة وحيوية ونشاط، ولكن حينما تدع الطعام تشعر أنك امرؤ ضعيف، وأنك امرؤ مفتقر في وجودك إلى لقيمات تضعها في فمك، فهذا الذي يقول أنا، ويقول أنا، ويطغى، ويتكبر، وينسى المبتدى والمنتهى، ويعلو على عباد الله تعالي هذا ما عرف حقيقة نفسه، فلعل من معاني الصيام أن تكتشف عبوديتك لله عز وجل.
وأن تكتشف إفتقارك إليه، ودائما وأبدا حينما تعتد بنفسك يتخلى الله عنك، وحينما تفتقر إليه يتولاك بالحفظ والرعاية والتوفيق، فنحن بين إمتحانين، لعل في شهر رمضان كشفا لافتقارنا إلى الله عز وجل، ولعل في شهر رمضان تقوية لإرادتنا على طاعة الله تعالي، لأننا تركنا المباح، فلأن ندع غير المباح فمن باب أولى، لعلنا في شهر رمضان نصون كل جوارحنا وكل أعضائنا، وكل ما حولنا عن معصية الله سبحانه وتعالي.






