أخبارالأسبوع العربيالسياسية والعسكرية

تسريبات تل أبيب… وإحراج أبوظبي

تسريبات تل أبيب… وإحراج أبوظبي الدبلوماسي

بقلم: خالد مراد

في زمن تتشابك فيه خيوط السياسة بالإعلام، لم تعد الحروب تُدار فقط في ميادين القتال، بل في غرف الأخبار والتسريبات المقصودة.

وفي هذا السياق برزت واقعة التسريب الإسرائيلي التي نسبت للإمارات تنفيذ هجوم على منشأة لتحلية المياه داخل إيران، وهي رواية سرعان ما قوبلت بنفي إماراتي حاد، مصحوب برسائل استياء واضحة من الطريقة التي أُدير بها هذا الملف إعلامياً.

القضية هنا لا تتعلق فقط بخبر تم نفيه أو تصحيحه، بل تكشف عن إشكالية أعمق في طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة في منطقة تعيش على حافة التوتر.

فحين يُنسب عمل عسكري إلى دولة ذات سيادة دون إعلان رسمي منها، فإن الأمر يتجاوز حدود الخطأ الصحفي ليصبح فعلاً سياسياً قد يترتب عليه تداعيات دبلوماسية وأمنية.

الإمارات، وفق ما نقلته مصادر مقربة من دوائرها الرسمية، تعاملت مع التسريب باعتباره تجاوزاً غير مقبول. فالدول – خصوصاً في أوقات الأزمات – تحرص على إدارة رسائلها الاستراتيجية بدقة شديدة، لأن أي إشارة خاطئة قد تفتح أبواباً لمواجهات غير محسوبة.

ولهذا بدا الاستياء الإماراتي مفهوماً؛ فإقحام اسم دولة في عملية عسكرية مزعومة قد يضعها في مواجهة مباشرة مع طرف إقليمي حساس مثل إيران، ويخلق توترات لا تخدم استقرار المنطقة.

ومن زاوية أخرى، تكشف هذه الواقعة عن ظاهرة باتت مألوفة في الإعلام الإسرائيلي، وهي الاعتماد على “مصادر رفيعة” أو “إحاطات أمنية” تُسرّب لوسائل الإعلام، وغالباً ما تكون هذه التسريبات جزءاً من معركة روايات تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية أو نفسية.

غير أن خطورة هذا الأسلوب تكمن في أنه قد يضع شركاء أو أطرافاً إقليمية في مواقف محرجة، ويجعلهم يدفعون ثمن روايات لم يشاركوا في صياغتها.

هنا تبرز المفارقة: ففي الوقت الذي تتحدث فيه القوى الدولية والإقليمية عن ضرورة خفض التوتر ومنع توسع الصراع في المنطقة، تأتي مثل هذه التسريبات لتضيف طبقة جديدة من الشكوك وانعدام الثقة. فالدبلوماسية بطبيعتها تقوم على إدارة التوازنات الحساسة، بينما تعمل الشائعات والتسريبات غير المنضبطة على تقويض هذه التوازنات.

والسؤال الذي يفرض نفسه:

هل كانت هذه التسريبات مجرد خطأ إعلامي، أم أنها جزء من لعبة ضغط سياسي تهدف إلى اختبار مواقف الحلفاء وإعادة تشكيل خطوط الاصطفاف في المنطقة؟

الإجابة قد لا تكون واضحة الآن، لكن المؤكد أن مثل هذه الروايات – حين تُطلق بلا حساب – قادرة على تحويل الإعلام إلى ساحة صراع موازية، لا تقل خطورة عن ساحات المواجهة العسكرية.

في النهاية، تكشف هذه الحادثة حقيقة بسيطة لكنها عميقة: في الشرق الأوسط، قد تكون الكلمة المسربة أخطر من الصاروخ المعلن.

فبين خبر غير دقيق وغضب دبلوماسي، تتضح هشاشة التوازنات الإقليمية، وتصبح المسؤولية الإعلامية جزءاً لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى