
اين الركن الثالث من الاسلام…
نعمة حسن / كتبت
ماذا لو تمسكنا باركان الاسلام الخمسة ..
وعملنا فيما بيننا بالركن الثالث منه
فنحن احوج ما نكون اليه ..
لسنا في زمنٍ تنقصه الشعارات،
ولا في عصرٍ يحتاج إلى مزيدٍ من الخطب.
نحن في زمنٍ ينقصه الفعل الصامت…
ذلك الفعل الذي لا يُصوَّر، ولا يُنشر، ولا يُنتظر عليه تصفيق.
لو تمسّكنا بالركن الثالث من الإسلام فقط — الزكاة والصدقة —
لا كطقسٍ موسمي، بل كمنهج حياة،
لتغيّر وجه هذا الزمان دون ضجيج.
الصدقة ليست فائضًا… بل فريضة أخلاقية
الصدقة في معناها العميق ليست ما يتبقى بعد الشبع،
وليست ما يُعطى من باب التفضّل.
إنها اعترافٌ صريح بأن المال أمانة،
وأن العدل الاجتماعي لا يُترك للصدف ولا للنيات الحسنة.
في هذا الزمن،
حيث تتآكل الدخول،
وتضيق المهن المتواضعة عن سدّ أساسيات الحياة،
يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون دينيًا:
كيف نرضى بالشبع، وبجوارنا من يعمل بكرامة ولا يكفيه عمله؟
أصحاب المهن المتواضعة… العمود الصامت للمجتمع
سائق،
عامل نظافة،
حرفي،
بائع بسيط،
أرملة تعمل،
شيخ يكدّ ليحفظ ماء وجهه…
هؤلاء لا يطلبون صدقةً تُذلّهم،
بل حقًّا يُعيد التوازن.
هم لا يرفعون لافتات،
ولا يملكون صوتًا في الإعلام،
لكنهم يحملون على أكتافهم الحياة اليومية التي نعيشها جميعًا.
والصدقة هنا ليست شفقة،
بل إعادة توزيع للرحمة.
الرحمة حين تتحوّل إلى عدل
الرحمة التي لا تُترجم إلى فعل
تتحول إلى شعور جميل بلا أثر.
أما الرحمة التي تُخرج من الجيب،
وتُقتطع من الراحة،
وتُمارَس بانتظام،
فهي التي تُرسّخ العدل ولو بالقليل.
ليس المطلوب أن يُنقذ فردٌ العالم،
بل أن لا يخذله.
القليل حين يُمارَس من الجميع
يصبح كثيرًا بلا ضجيج.
«من ذا الذي يُقرض الله قرضًا حسنًا»
هذا السؤال القرآني ليس بلاغة لغوية،
بل امتحان ضمير.
الله — جلّ وعلا — لا يحتاج إلى قرض،
لكنّه يُعلّم الإنسان كيف يسمو بالمال
من وسيلة تملّك إلى وسيلة نجاة.
القرض الحسن هو ذلك العطاء
الذي لا يُنتظر عليه ردٌّ من البشر،
ولا يُمنّ به،
ولا يُستثمر في صورة أو سمعة.
هو فعلٌ خفيّ
يعرفه الله…
ويُربّي به القلب قبل أن يُطعم الجسد.
لو التزمنا به فقط…
لو التزمنا بالركن الثالث كما ينبغي،
لانخفضت فجوة القسوة،
وتراجعت مشاعر الحقد،
وشعر الفقير أنه مرئي،
وشعر الغني أن ماله نافع لا عبء.
ولما تحوّلت الصدقة إلى موسم،
ولا الفقر إلى وصمة،
ولا العمل الشريف إلى عجز دائم.
وهنا اضع قلمي لاقول ..
عزيزي القاريء:
هذا ليس نداءَ شفقة،
ولا خطابَ وعظ،
بل دعوة لإعادة ترتيب البوصلة.
في زمنٍ اختلّ فيه الميزان،
تبقى الصدقة
أبسط فعل…
وأعمق إصلاح.
فمن ذا الذي يُقرض الله قرضًا حسنًا؟
سؤالٌ مفتوح،
لكن إجابته لا تُقال…
بل تُفعل.
زادكم ربي من فضله واسكن في قلوبنا الرحمة جميعاً .
مع تحياتي ..





