رغم وضوح القوانين والدستور الذى حدد بدقة مهام الهيئة الوطنية للانتخابات وضوابط العملية الانتخابية من دعاية وإنفاق وصمت انتخابى، إلا أن أداء الهيئة فى هذه الدورة جاء باهتًا، يفتقر إلى التفاعل الميدانى والتنسيق مع الأجهزة المحلية، ويكشف عن فجوة كبيرة بين ما هو مكتوب وما يُطبق فعلاً.
—
غياب التنسيق والتوعية
من المفترض أن تكون هناك قنوات اتصال مباشرة بين الهيئة والمحليات، لتسهيل سير العملية الانتخابية ومتابعة اللجان وتنظيم الحركة الميدانية، إلا أن التواصل كان محدودًا، مما أدى إلى ارتباك واضح فى عدد من الدوائر.
كما غابت الحملات الإعلامية الجادة لتوعية المواطنين والمرشحين ببنود قانون الانتخابات، مثل ضوابط الدعاية، وأوقات الصمت الانتخابى، والعقوبات المقررة على المخالفات. فالقانون لا يُحترم إلا حين يعرفه الناس، والهيئة لم تبذل جهدًا حقيقيًا لنشر هذا الوعى.
—
قانونيًا: حدود الإنفاق والصمت الانتخابى
تنص المادة 25 من قانون مباشرة الحقوق السياسية على ألا يتجاوز الإنفاق الانتخابى للمرشح الفردى 500 ألف جنيه فى الجولة الأولى و200 ألف جنيه فى الإعادة، مع السماح بتبرعات لا تتجاوز 5% من هذا المبلغ من أشخاص طبيعيين مصريين.
كما تنص المادة 24 على وجوب التوقف عن الدعاية فى تمام الساعة الثانية عشرة ظهر اليوم السابق للتصويت، ويحظر أى نشاط دعائى بعد هذا التوقيت، سواء فى الإعلام أو على شبكات التواصل.
ومع ذلك، غابت الرقابة الفعلية على تطبيق هذه المواد، فانتشرت اللافتات والمؤتمرات والدعاية الميدانية حتى فى يوم الاقتراع، دون تدخل أو محاسبة تُذكر.
—
الدعاية غير القانونية والمخالفات المنتشرة
يحظر القانون استخدام الممتلكات العامة أو دور العبادة أو أعمدة الإنارة أو المرافق الحكومية فى الدعاية الانتخابية، كما يمنع تقديم هدايا أو تبرعات للناخبين.
لكن الواقع شهد عودة هذه الممارسات بصورة لافتة، ما يعنى أن الهيئة اكتفت بالقرارات الورقية دون رقابة ميدانية أو لجان رصد فعالة بالتعاون مع المحليات.
—
مناديب المرشحين بلا تدريب ولا توجيه
القانون يمنح المرشح الحق فى تعيين مندوبين داخل اللجان لمراقبة سير العملية والفرز، لكن الهيئة لم تُنظّم أى مؤتمرات أو دورات لشرح مهامهم، ولم تصدر كتيبات إرشادية توضح واجبات المندوبين وحدود دورهم.
وهكذا فقدت اللجان أحد أهم عناصر الشفافية، وهو وجود مناديب مدرَّبين يمثلون أعين المرشحين داخل اللجان.
—
القوائم الانتخابية وهيمنة التحالفات
النظام الانتخابى القائم على القوائم المغلقة كان من المفترض أن يحقق تمثيلًا متوازنًا، لكنه تحوّل إلى أداة للسيطرة السياسية، بعد أن احتكرت بعض القوائم المشهد بشكل شبه كامل.
هذا يخلق خللًا فى مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين المستقلين وأصحاب القوائم القوية المدعومة ماليًا وإعلاميًا، خاصة فى ظل غياب شفافية حقيقية من الهيئة فى توضيح آليات تشكيل القوائم أو مراقبة التوازن الداخلى فيها.
—
المؤتمرات الغائبة والدور الإعلامى المحدود
لم تُعقد مؤتمرات كافية للهيئة الوطنية للانتخابات لتوضيح سير العملية الانتخابية أو شرح القوانين المنظمة.
القانون رقم 198 لسنة 2017 الخاص بإنشاء الهيئة ينص على أن دورها يشمل “إدارة وتنظيم ومتابعة كل مراحل الانتخابات” و”تسهيل الإجراءات وتهيئة الأجواء المناسبة لها”، وهو ما لم يتحقق فعليًا.
فالإعلام اكتفى بتصريحات متفرقة، بينما غابت المؤتمرات والورش التثقيفية التى كان يجب أن تعقد فى المحافظات لتوعية المواطنين والمشرفين المحليين بمسؤولياتهم.
—
المال الانتخابى وغياب الرقابة
على الرغم من تحديد القانون للسقف المالى، إلا أن المشهد الميدانى أظهر إنفاقًا يفوق الحد المسموح به أضعافًا، وسط غياب أى إجراءات رقابية صارمة أو إعلان رسمى من الهيئة عن رصد المخالفات.
تحولت بعض الدوائر إلى ساحات نفوذ مالى، وهو ما يُفقد العملية الانتخابية معناها الحقيقى القائم على الكفاءة والمنافسة الشريفة.
—
خلاصة القول
القوانين والدستور وضعت إطارًا صارمًا لضمان نزاهة الانتخابات، لكن الهيئة الوطنية للانتخابات قصّرت فى تنفيذ جوهر هذا الإطار.
لا مؤتمرات، لا توعية، لا رقابة ميدانية، ولا تفعيل حقيقى للعقوبات.
النتيجة: انتخابات تدار بالقانون على الورق، وبالفوضى فى الواقع.
ولكى تستعيد الهيئة ثقة المواطن، لابد أن تُعيد النظر فى دورها التوعوى والتنظيمى، وتفعّل القانون على الأرض، لا أن تكتفى بإصداره من خلف المكاتب.
فنزاهة الانتخابات ليست شعارات، بل ممارسة واعية ورقابة حقيقية وضمان لعدالة المنافسة