
بقلم / نعمة حسن
هل توقفت يومًا أمام صحن واحد على السفرة وتساءلت عن الأسرار التي يخفيها؟ تخيل معي رائحة الطعام تعبق في المكان، أصوات الضحك والمحادثات تدور حولك، ودفئها يملأ الغرفة. دع قلبك الآن يشعر بكل هذا، فكر في نفسك جالس بين أحبابك، تشارك اللحظة والضحكات، وتشعر بالحب في كل حركة على السفرة.
زمان، كانت اللمة حول السفرة لحظة سحرية، تحمل أكثر من مجرد الطعام. الأم تضع للآب نصيبه الأكبر، ليظهر له الاحترام والتقدير والتميّز، لأنه الكبير ومناسبته الأولى. ثم تُقسم البقية بالترتيب: الأكبر فالأقل، حتى نصل للطفل، نصيبه الأصغر بما يناسب سنه وحجم معدته، فلا نزيدها فتتعب أو تمرض. كل لقمة موزعة بعناية، وكل حركة محسوبة، تحمل درسًا في مكانة كل شخص، حدود كل واحد، واحترام الكبير قبل الصغير.
هنا يكمن سر عظمة المناب: الطفل يرضى بنصيبه منذ البداية، ولا يتمنى ما في يد غيره، لأن الأم تعرف ما يفضله كل واحد وتضع له نصيبه المناسب. الرضا يصبح فاعلية طبيعية، فلا مجال للغيرة أو التعدي على نصيب الآخرين، وكل لقمة تعليم في صبر وانتظار ومشاركة.
ولم يكن المناب مجرد تقسيم، بل كان مرتبطًا بمواعيد محددة لكل وجبة: الغداء والعشاء أيام الدراسة، والإفطار يوم الإجازة. الجميع يعرف دوره، والالتزام بالوقت جزء من الاحترام المتبادل، ودرس في معنى ارتباط الأسرة وتلاحمها. تخيل معي الطفل ينتظر دوره بصبر، والآباء يشجعونه، والكل يحترم النصيب والموعد. أيمكنك أن تشعر بهذا النظام والدفء؟
المناب لا يعلمنا مجرد الشبع، بل يعلم القناعة والرضا بعيدًا عن الطمع والجشع. إذا تركنا الطفل يأخذ الطعام كاملًا بحرية، ويشبع دون تنظيم، فإنه يتعلم الطمع والأنانية، ويُفقد احترام حقوق الآخرين. أما المناب، فيعلّم الطفل الاكتفاء بما هو متاح له من نصيبه، في حد ذاته تعليم للرضا والقناعة، وأن المشاركة أفضل من الاستحواذ.
المناب يزرع الانضباط والصبر في النفوس، ويعلّم أن لكل واحد نصيبه، وأن الغيرة والحسد سموم تقتل الروح قبل المعدة. من يحب الورك يأخذه، ومن يحب الصدر يأخذه، وما أحد يتعدى نصيب غيره.
أما اليوم، فغياب المناب يغيّب معه القيم: كل واحد يأكل لوحده، أو يشارك أصدقائه، وضحكة الأسرة اختفت، ودفئها تبدد. لم يعد هناك تعليم للرضا، ولا درس في الانضباط، ولا لحظة لزرع الأخلاق قبل الشبع.
المناب كان يزرع أسمى المبادئ: أن لا نأخذ ما ليس لنا، أن نحترم الكبير، أن نرضى بما قسمه الله، وأن المشاركة خير من الاستحواذ. كان يعلمنا أن الحياة مدرسة، وأن أبسط الأفعال – نصيبك، انتظارك، رضاك صفات تحمل أعظم الدروس.
زمان، كانت لمّة البيت مليئة بالضحك والحنية. تخيل معي الطفل ينتظر دوره بصبر، والآباء يشجعونه، والكل يحترم نصيب الآخرين.
هل تستطيع أن تشعر بذلك؟
دع قلبك يحس دفئها وطمأنينتها، دع خيالك يشاركنا رائحة الطعام وصوت الأقدام على الأرض، فاللحظة كلها درس حي في الاحترام والانضباط والرضا، واحترام المواعيد التي تربط الأسرة ببعضها.
المناب يعلمنا أن الحياة ليست في كثرة الطعام، بل في شرف المشاركة، في جمال الرضا، في احترام الكبير، وفي ضبط النفس قبل الطمع، وفي الالتزام بالمواعيد واحترام النظام الأسري. كل هذا في حركة بسيطة على صحن واحد، لكنها درس لا يُقدّر بثمن، وذكرى لا تُنسى.





