اخصائي نفسيالأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

الفصل الثامن : الطيبة والوحش

الفصل الثامن : الطيبة والوحش
الفصل الثامن: حين يبتسم الوحش أمام الناس
بقلم / سهير محمود عيد
في الصباح، بدا طبيعيًا جدًا.
أكثر مما يجب.
ارتدى ملابسه بعناية، صفف شعره، وتناول فطوره بهدوء.
ابتسامة صغيرة على شفتيه…
الابتسامة التي يخرج بها إلى العالم.
الوحش لا يكون وحشًا خارج البيت.
هناك… هو رجل محترم.
وصلني اتصال من جارتنا.
صوتها كان مائلًا، حذرًا:
— «هو كل حاجة تمام؟»
— «ليه؟»
— «أصل… بابا الولاد قال إنهم مضغوطين شوية… وإنك محتاجة ترتاحي.»
أغلقت الهاتف ببطء.
بعدها بساعتين، رسالة من المدرسة:
نحب نحدد موعد لمناقشة بعض التغيرات الأسرية.
تغيّرات أسرية.
هكذا تُقال الأشياء حين تُخفى الحقيقة.
عاد في المساء، مبتسمًا.
سألني بلطف مسرحي:
— «المدرسة كلمتك؟»
نظرت إليه طويلًا.
قلت:
— «إنت عملت إيه؟»
جلس مطمئنًا:
— «ولا حاجة… بس بحمي ولادي.»
ضحكت.
ضحكة قصيرة متعبة.
— «بتحميهم مني؟»
— «من اللي بيحصّلهم بسببك.»
لم يكن يتهمني أمامي فقط…
كان يبني رواية أخرى عني.
في الأيام التالية، بدأت أسمعها تتكرر:
“أمهم تعبانة شوية”
“ضغط عصبي”
“مش قادرة تسيطر على البيت”
الوحش كان يكتب قصته…
ويضعني فيها كشريرة مهذبة.
لكنّه نسي شيئًا واحدًا.
الأطفال لا يكذبون حين يشعرون بالأمان.
في اجتماع المدرسة، جلسنا جميعًا.
مديرة المدرسة.
الأخصائية النفسية.
هو… وأنا.
تحدث كثيرًا.
عن حرصه.
عن تعبه.
عن قلَقه.
وحين جاء دوري، كنت هادئة.
أكثر هدوءًا مما توقّع.
قالت الأخصائية:
— «والأولاد؟»
وقتها…
تكلم الأول.
— «إحنا مش مضغوطين من ماما… إحنا كنا مضغوطين من قبل.»
تجمّد الوحش.
قال الثاني:
— «ماما بس خلتنا نحس إننا مش غلط.»
ساد صمت ثقيل.
الصمت الذي لا ينقذك منه الابتسام.
خرجنا.
لم ينطق بكلمة.
في السيارة، قال أخيرًا بصوت مكسور بالغضب:
— «إنتِ بوّظتي صورتي.»
قلت بهدوء:
— «إنت اللي بنيتها على سكوتي.»
في تلك الليلة، جلست وحدي.
أفكر.
عرفت أن المواجهة خرجت من البيت.
وأن اللعب بقى أخطر.
والأخطر…
أن الوحش لن يكتفي بعد الآن بالكلام.
الفصل القادم لن يكون عن صراخ.
ولا اتهام.
سيكون عن الاختيار.
اختيار لا رجوع بعده.
يتبع…

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى