أدب

العصفورة والجوهـرة: درس في اليقظة وفخاخ الندم

العصفورة والجوهـرة: درس في اليقظة وفخاخ الندم

بقلم/ ريمون عصام خليل

كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصة

هل نحن محكومون بالفشل الأبدي بسبب طبيعتنا الساذجة؟ هل هي شهوة الثراء السريع أم هو ضعف النفس أمام فخاخ الأقوال المُزينة ما يوقعنا في هاوية القرار الخاطئ؟

مقالات ذات صلة

 

في أعماق الغابة، وبينما كان صياد عصافير، بل قل أشطر صيادي مصر، يصارع الفاقة، كانت روحه تئنّ تحت وطأة السؤال الأبدي: “كيف يجتمع الذكاء المفرط مع العوز الشديد؟” كان جوعه أشد من حنكته. حينها، وقعت عيناه على عصفورة، فاستسلمت قبضته لحتمية الذبح. وهنا، بدأت الحكاية التي لا تنتهي أبداً.

 

لم تطلب العصفورة الحياة، بل طلبت الحكمة. ثلاث وصايا مقابل العتق، وافق الصياد الذي يبدو أن معدته كانت تحتاج إلى الطعام بينما روحه كانت تتضور جوعاً للحكمة.

 

سقطت الوصايا متتابعة كضربات القدر: “لا تُصدق كل ما يُقال إليك” وهي في يده. و”لا تندم على ما فاتك” وهي تطير. ثم كانت الصاعقة من أعلى غصن: “يا غبياً! لقد كان في بطني جوهرة ألماس نادرة، ثروة طائلة فاتتك بسبب الحكمة!”

 

في تلك اللحظة، لم يصرخ الصياد جوعاً، بل صرخ ندماً. صرخة مدوية أعلنت هزيمة العقل أمام الوهم.

 

لقد انهارت منظومته الفكرية: صدّق فوراً بوجود الجوهرة الخارقة (التي تنافي المنطق، فعصفور صغير لا يبتلع ألماسة)، ونسى الوصية الأولى. ثم ندم أشد الندم على فوات ثروة لم تكن موجودة أساساً، ونسى الوصية الثانية.

 

قانون “الجوهرة” في حياتنا المعاصرة

 

إن مأساة الصياد ليست مجرد حكاية فلكلورية، بل هي القانون الذي يحكم مساحات واسعة من واقعنا اليومي في الشرق الأوسط:

 

1. اقتصاد الجوهرة (لا تُصدق): نحن نعيش في عصر “الجواهر الوهمية”، سواء في الشائعات المتداولة عبر منصات التواصل، أو في صفقات الثراء السريع التي تَعِد بمكاسب خيالية بلا أساس. ينجرف الملايين وراء “ألماسة” الإشاعة أو “ذهب” التجارة الوهمية، لمجرد أن القول جاء مثيراً ومُلتهباً، ناسين أن أول درع ضد الخسارة هو التشكيك العميق في كل ما “يُقال إليك”.

 

2. أسرى الماضي (لا تندم): أكثر ما يُعطل طاقات الأمة هو البقاء سجناء لما فات. نندب قرارات الأمس، ونبكي على فرص ضائعة، ونظل نجلد الذات بدلاً من استثمار الطاقة المهدورة في بناء الغد. الندم المفرط هو طائر لا يطير أبداً، بل يظل جاثماً على كتفيك يثقلهما.

 

الحكمة الثالثة: يقظة الوعي

 

وهنا يتجلى الدرس الأعمق الذي تجاهله الصياد في لحظة انهياره؛ لا وجود لنصيحة ثالثة منفصلة!

 

النصيحة الثالثة هي نتاج تطبيق الأوليين: أن تكون واعياً يقظاً. أن لا تنظر إلى ما قيل أو ما فات، بل تركز على ما تفعله أنت الآن.

 

كانت الحكمة تكمن في أن يتوقف عن الصراخ، وأن يتذكر أن الحكمة التي اشتراها هي أغلى من أي ألماس مزعوم. الحكمة هي أن تأخذ بالك جداً من تصرفاتك؛ لأن التصديق الأعمى والندم المُهلك هما طرفا خيط يقودان إلى الهاوية.

 

لتكن هذه القصة، المنبعثة من صوت عادي، هي الشرارة التي توقظ فينا الصياد الحكيم. صياد يدرك أن أغلى جوهرة يمتلكها الإنسان ليست في بطن طائر، بل هي يقظة العقل وسكينته أمام فتن القول وعبء الماض

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى