
العدالة الدولية الغائبة
اعتقال نتنياهو هو الاختبار
كتب ضاحى عمار
قد يكون إلقاء القبض على بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء دولة الاحتلال، ووزير دفاعها السابق يوآف غالانت، الحدث الذي سيعيد تشكيل مفهوم العدالة الدولية ويختبر فعالية المحكمة الجنائية الدولية. فإصدار مذكرات اعتقال بحق قيادات مسؤولة عن حرب إبادة في غزة، التي استمرت لأكثر من عام، يمثل خطوة غير مسبوقة، لكنها تحتاج إلى تنفيذ حازم لإثبات جدية المجتمع الدولي في مواجهة جرائم الحرب.
واقع لا يحتمل التأجيل فقد تواصلت الحرب في غزة على مدار أكثر من عام، وأسفرت عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين، أغلبهم من النساء والأطفال. السكان في القطاع يعيشون تحت حصار خانق أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء، بينما تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في تدمير البنية التحتية وإزهاق الأرواح. يرى المستشار الأمني والاستراتيجي يونس السبكي أن “غياب العدالة الدولية طوال هذه الفترة منح إسرائيل شعورًا بالإفلات من العقاب”، معتبرًا أن “اعتقال نتنياهو قد يمثل رسالة واضحة بأن العالم لن يتسامح مع جرائم الحرب
المحلل السياسي طارق الهواري يوافق على هذا الرأي، لكنه يضيف: “المسألة لا تتعلق فقط بمحاكمة شخص، بل بمحاكمة منظومة كاملة قائمة على الاحتلال والقتل الممنهج. اعتقال نتنياهو سيكون بداية لتحول جذري في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع القضايا الفلسطينية
رغم إصدار المحكمة الجنائية الدولية لمذكرات اعتقال بحق قادة سياسيين سابقين مثل عمر البشير وفلاديمير بوتين، إلا أن التنفيذ ظل العقبة الأكبر. يرى السبكي أن العجز عن تنفيذ مذكرات الاعتقال السابقة كان نتيجة لضغوط دولية وسياسية”، مضيفًا: “لكن قضية غزة مختلفة؛ الضغط الشعبي والإنساني على الحكومات قد يجبرها على التحرك وانهاء الحصانة التى يتحصن بها مجرمى الحرب
من جهته، يشير الهواري إلى أهمية استخدام مبدأ التكاملية، الذي يمنح الأولوية للقضاء المحلي، لكن في حالة إسرائيل، فالقضاء يعاني من أزمات داخلية، ويعجز عن تقديم أي تحقيقات جدية. “رفض نتنياهو إجراء تحقيق مستقل في أحداث السابع من أكتوبر يعكس انقسامًا عميقًا في المنظومة السياسية والقضائية الإسرائيلية
يقول الهواري.ان محاكمة نتنياهو فرصة أمام المحكمة الجنائية الدولية لاستعادة ثقة العالم. ورغم اتهامات بتسييس المحكمة، خاصة في تعاملها مع قضايا العالم الثالث، إلا أن الهواري يرى أن هذه القضية “فرصة لإثبات أن العدالة الدولية ليست منحازة، وأنها قادرة على التصدي لجرائم القوى الكبرى
ومع ذلك، يظل التنفيذ مرهونًا بتعاون الدول. السبكي يشدد على أن “التزام الدول بمذكرات الاعتقال سيشكل اختبارًا حقيقيًا للمجتمع الدولي. إذا فشلت الدول في تنفيذ القرارات، فإن المحكمة ستفقد مصداقيتها بالكامل
صراع داخل إسرائيل، يمثل نتنياهو رمزًا للانقسام. فبينما تدعمه التيارات اليمينية المتطرفة، تواجه حكومته معارضة شديدة من القوى العلمانية، التي ترفض تعديلاته القضائية وسياساته المتشددة. رفض المستشارة القضائية إجراء تحقيق مستقل يعكس حجم التوتر الداخلي. اعتقال نتنياهو لن يكون فقط تحقيقًا للعدالة الدولية، بل أيضًا فرصة لإنقاذ إسرائيل من أزمتها الداخلية
يقول الهواري. إن دور الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لا يمكن إغفال دور الولايات المتحدة في تعطيل أي محاولات لتحقيق العدالة. باستخدام الفيتو في مجلس الأمن خمس مرات منذ بدء الحرب على غزة، ضمنت الولايات المتحدة استمرار آلة الحرب الإسرائيلية. “هذا الدعم الأمريكي يشكل العقبة الأكبر أمام العدالة”، يقول السبكي
ومع ذلك، يبدو أن التغيرات في المواقف الدولية، خصوصًا في أوروبا وأمريكا اللاتينية، قد تمثل ضغطًا على إسرائيل. الهواري يشير إلى أن “الدول التي لا تسمح بمرور المتهمين عبر أراضيها أو أجوائها تعكس تحولًا في مواقف المجتمع الدولي، وهو ما قد يؤدي إلى عزل إسرائيل دوليًا
أفق جديد للعدالة إذا تم القبض على نتنياهو وتقديمه للمحكمة، فإن ذلك سيشكل لحظة فارقة في التاريخ الحديث. السبكي يرى أن “العدالة بحاجة إلى خطوات جريئة، واعتقال نتنياهو سيكون البداية لتغيير جذري في مفهوم المحاسبة الدولية
أما الهواري فيعتبر أن هذه القضية ستحدد مستقبل المحكمة الجنائية الدولية. “إذا نجحت المحكمة في محاكمة نتنياهو، فإنها ستثبت أنها قادرة على مواجهة الضغوط السياسية، لكنها إذا فشلت، فإن ذلك سيؤدي إلى فقدانها لمصداقيتها بشكل كامل
في النهاية، يبقى إلقاء القبض على نتنياهو ومحاكمته حلمًا قد يتحقق، لكنه يمثل اختبارًا حقيقيًا للعالم. فهل ستنجح العدالة الدولية في فرض سلطتها؟ أم ستظل أسيرة للمصالح السياسية؟ الأيام القادمة تحمل الإجابة.




