
الروضة المختلفة ، روضة بوسليمى.
عونى سيف ، القاهرة.
عندما تقرأ نص ” مازلت على قيد عشق” للشاعرة التونسية روضة بوسليمى ، تجد تيمات عدة فى هذا النص، و تجد الشاعرة تحيك صور حريرية مطرزة بتوظيف فريد للغة ، قليلون من يجيدوه.
النص:
* مازلت على قيد عشق …
أنقطعُ ساعة غروب إلى أرجوحةٍ يتيمة،
عشقتُ هدهدتها .
أطعمُ الوقت قطعةَ سكّر ،
أحتسي قهوة مرّة
أسرّ للشّفق بأنّي مازلت على قيد عشق ..
مازلت هنا ، لم أمت بعد .
المداد الحرّ ، محال أن يكذب ،
يتفجّر من بين الأنامل كنزف خال يعاند غريمه ،
كزهرٍ انبثق من يابس اللّحى .
زادت قوافل الحواريّين
وقد تعلّموا كيف تكون النّجاة ..
زاد نكراني لذاتي ،
أسعى بين ملح وسكّر ،
أحطّم ما ساد من حولي ،
أقايض جمرا بصبرٍ
وعسرا بيسر ..
أذكر عهدا خطّت بنوده بالسّنا
أعلنني كاهنة
تقبض على جمر الوطن .
أندّد بقبح الصّمت ساعة الحقّ .
أخوض – مزهوّة — ثورات الياسمين
وقد اجتمعن في ناظريّ ،
أنشد الاغتسال ببياضه والشّذا
بكلّ الوقار الممكن
أجالس آلهة الحرب ،
اباغتها بابتسامة يُورق لها الشّجر
تعلّمها أصول السّلام ..
أشكل من أبجديّة أفكاري أساور
أجمّل بها يميني ..
أغمد في خاصرة احتمال يراود حماستي
سيفا ..
أغضّ البصر عن قائمة ندوب بلا منتهى ..
وأواصل رحلة وضعت تفاصيلها بدءا ومنتهى
لا أعبأ بوزر وحدة لا بديل لي عنها.
* التيمة الاولى في هذا النص الثرى ، الوحدة ،
التى ظلالها طغت حتى على اللغة و الصور البلاغية ، أرجوحة يتيمة، قطعة سكر. و تجد تناقض الحياة مع هذه الوحدة ، فالشاعرة تطعم الوقت قطعة سكر وهى تحتسى قهوتها بدونه.لكنها رغم هذه الوحدة تشعر بقيمة الحياة وذلك لأنها مازلت على قيد عشق.وهذا هو عنوان النص ، لم أقف عنده منذ البداية ، لكنه يوحي بأن العشق معادل موضوعى للحياة، فالشاعرة مازلت على قيد عشق اى مازلت تحيا هذه الحياة.
* التيمة الثانية هى الكتابة .
الأستاذة روضة ، بصورة جميلة ، تنزه الحبر عن الكذب و ينفجر من بين الأنامل.فالحبر هنا بمثابة ضمير الشاعرة ، فالحبر مجرد أداة وضعت فيه ضميرها الذى لا يكذب.هنا أيضاً ، ربطت روضة بوسليمى بوعى أو بدون وعى بين الوحدة و الحياة و الكتابة ، و ذهبت إلى أن الكتابة هى تجديد للحياة فى قولها ” كزهر انبثق من يابس اللّحى”
* التيمة الثالثة هى الإنسانية و نكران الذات.
هنا تقول الشاعرة ،
” زادت قوافل الحواريين ،
و قد تعلموا كيف تكون النجاة.
زاد نكراني لذاتي،….
هنا تمدح الأستاذة روضة جانب جيد في الإنسانية و هو نكران الذات ، و معرفة طرق النجاة ، ربما النجاة بالنفس أو بالآخرين.
تسعى بين ملح و سكر، هذه صورة بليغة عن معترك الحياة. تتقايض جمرا بصبر و عسرا بيسر ، هذا جانب جميل فى الإنسانية و هو الإيمان و عدم فقدان الرجاء.
* التيمة الرابعة ، الوطن.
فهى تعلن نفسها كاهنة تقبض على مشاكل الوطن و تعلن الحق ، فالوطن لدى الشاعرة قيمة عليا ، لدرجة أنها تنشد الاغتسال ببياضه.و الاغتسال فى مفهوم الديانات السماوية يعنى التطهر ، فالاستاذة روضة من وطنيتها الراسخة تود التطهر ببياض الوطن.
* التيمة الخامسة ، السلام.
فالشاعرة تقدّر السلام و تنشده حتى لو وصل بها الأمر أن تجالس آلهة الحرب و تبتسم فى وجوههم ليتعلموا أصول السلام.
هنا استخدام مفردات الأسطورة و التاريخ ، مثل كاهنة، آلهة الحرب، يدل على مستوى ثقافة الشاعرة الرفيع ، و قدرتها على توظيف و تطويع اللغة بشكل يخدم النص و محتواه.






