أخبار

الذكريات المحترقة

الذكريات المحترقة

الذكريات المحترقة
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​حين امتدت يدي لتلامس تلك المقابض النحاسية الباردة، انبعثت صرخة الصرير من مفاصل أبواب المكتبة العتيقة، وكأنها تستغيث من قهر الهجران. ومع انفراج الباب، ثار غبار النسيان في وجهي كعاصفة من الرماد، متصاعداً في أعمدة من النور الشاحب، حتى خُيّل إليّ أنني أستنشق عبق ذاكرة احترقت منذ أزل، ذاكرة لم يبقَ منها سوى رائحة الورق المتفحم وبقايا الحكايات التي لم تكتمل.
​دلفتُ إلى الداخل، فاستقبلتني ممراتٌ سحيقة الطول، ممتدة كأنها دهاليز في الروح لا نهاية لها. كانت الأرضية مفروشة ببقايا رسائل مبعثرة، التهمت النار أطرافها وتركت في وسطها كلماتٍ يتيمة، وكأنها أنفاسٌ أخيرة لغائبين لم يجدوا من يقرأ وجعهم. وفي سكون المكان الموحش، كان ثمة ضجيجٌ خفيّ، صوتٌ يشبه حشرجة الحبر وهو يئن فوق السطور، يبكي بصمتٍ مطبق، بدموعٍ سوداء لم تجد طريقاً للبلل، بل ظلت حبيسة الورق الميت.
​في الجناح الأول من هذا الصرح الجنائزي، انتصبت كراسي الملوك شامخة بظهورها المذهبة، تلك التي استضافت أجساداً توهمت الخلود يوماً. جلسوا فوقها طويلاً، أصدروا أحكاماً، ورسموا حدوداً، وبنوا قلاعاً من الوهم، لكن الزمن كان أطول من صبرهم؛ فانتهى بهم المطاف أن انهاروا وتلاشوا كما تذبل الأوراق في خريفٍ قاسٍ، تاركين خلفهم خشب المقاعد يروي قصة العظمة التي تحولت إلى هباء.
​أما الجناح الثاني، فقد كان يسكنه نوعٌ آخر من العذاب؛ هناك حيث عُلقت أصفادٌ نُسجت من نسيج الصمت الثقيل. كانت تلك الأصفاد تطوق ألسنة الشعراء الذين حلموا يوماً بزعزعة أركان الكون بكلماتهم. لقد قُيدت حروفهم، وأُطفئت النيران التي كانت تتأجج في أفواههم، فاستحالت قصائدهم إلى رماد بارد، وصارت حناجرهم قبوراً لصرخاتٍ لم تجرؤ على الخروج إلى الضوء.
​وعندما بلغتُ نهاية الممر الأخير، حيث يتكاثف الظلام وتكاد الرؤية تنعدم، عثرتُ على صندوقٍ خشبي مهترئ، قد فُتح غطاؤه وكأنه يدعو الفضول للدخول. فوق فوهة الصندوق، كانت تطفو ورقة صغيرة، رقيقة كجناح فراشة، تتمايل مع أنفاسي المضطربة. اقتربتُ منها، فقرأتُ كلماتٍ نُقشت بمدادٍ من الندم، كانت تقول
​”إن أخطر الأسرار التي قد تواريها الثرى، ليست تلك التي اقترفتها، بل هي حياتك التي لم تجرؤ على عيشها، والأيام التي تركتها تمر من بين أصابعك دون أن تلمس روحها.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى