الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

الدرجة المالية لا تصنع مديراً

الدرجة المالية لا تصنع مديراً
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط

فى بعض المؤسسات الإدارية قد تبدأ المشكلة بقرار يبدو بسيطاً فى ظاهره. نقل مدير من موقعه لأنه يشغل درجة مالية ثالثة. ثم وضع موظف آخر مكانه لأنه يشغل درجة مالية أولى. لكن عندما نضع هذا القرار تحت ضوء القانون. فإن السؤال الحقيقى لا يصبح من يحمل الدرجة الأعلى. وإنما يصبح من تتوافر فيه شروط شغل الوظيفة التى أصبح مسؤولاً عنها. وهنا تبدأ الحكاية التى تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً.

القانون لا يتعامل مع الموظفين بإعتبارهم أرقاماً مكتوبة على درجات مالية فقط. فقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 قسم الوظائف إلى مجموعات وظيفية رئيسية. من بينها مجموعة الوظائف التخصصية ومجموعة الوظائف الفنية. وجعل لكل وظيفة شروطاً وضوابط تحدد طبيعتها وطريقة شغلها. كما أن بطاقة وصف الوظيفة ليست ورقة شكلية يمكن تجاوزها. وإنما هى الوثيقة التى تحدد طبيعة الوظيفة وإختصاصاتها وشروط شغلها والمسؤوليات المرتبطة بها.

وهذه النقطة وحدها تكفى لإسقاط فكرة خطيرة قد تتسلل إلى بعض القرارات الإدارية. وهى أن الموظف صاحب الدرجة المالية الأولى يصبح بالضرورة أحق من الموظف صاحب الدرجة المالية الثالثة فى شغل أى وظيفة إدارية. هذا ليس معياراً قانونياً مطلقاً. فالدرجة المالية شىء. والمجموعة الوظيفية شىء آخر. والتخصص والمؤهل وشروط شغل الوظيفة شىء ثالث. ولا يجوز خلط هذه الأمور كلها فى معيار واحد ثم بناء قرار إدارى عليه.

ولنضع الواقعة أمام أعيننا بصورة واضحة. هناك مهندس زراعى حاصل على مؤهل جامعى. ينتمى إلى مجموعة الوظائف التخصصية. وكان قائماً فعلياً بأعمال مدير إدارة زراعية. ويعمل داخل إدارة تضم مهندسين حاصلين على مؤهلات جامعية. وربما تضم أيضاً أصحاب درجات علمية أعلى. ثم يصدر قرار بنقله أو إبعاده من الإدارة بحجة أنه يشغل الدرجة الثالثة. وبعد ذلك يوضع مكانه موظف من مجموعة الوظائف الفنية الزراعية على الدرجة الأولى. فيصبح هذا الموظف مديراً لإدارة يعمل بها مهندسون تخصصيون.

هنا لا يصح أن يكون السؤال الوحيد. من درجته أعلى؟

السؤال الصحيح هو. ما المجموعة الوظيفية التى تنتمى إليها وظيفة مدير الإدارة؟ وما شروط شغلها؟ وهل الموظف الفنى مستوفٍ لهذه الشروط؟ وهل بطاقة وصف الوظيفة تسمح أصلاً بأن يشغلها موظف من المجموعة الفنية؟ وهل تم إسناد الوظيفة بالطريقة والإجراءات التى حددها القانون؟ أم أصبحت الدرجة المالية هى المعيار الوحيد الذى يحكم الوظائف الإدارية؟

هذه ليست أسئلة شكلية. وإنما هى جوهر المشروعية الإدارية.

فقانون الخدمة المدنية يميز بين المجموعات الوظيفية. ويضع لكل وظيفة إطاراً وظيفياً وشروطاً لشغلها. كما نظم القانون شغل وظائف الإدارة الإشرافية ووضع لها قواعد خاصة. ومن ثم فإن وظيفة مدير الإدارة ليست مجرد كرسى إدارى يمكن أن ينتقل إليه أى موظف لمجرد أنه يحمل درجة مالية أعلى.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين. الأول أن يكون الموظف الفنى من الدرجة الأولى مستوفياً لكل شروط وظيفة مدير الإدارة. والثانى أن يكون الموظف من الدرجة الأولى فقط. الفرق بين الحالتين كبير جداً.

إذا كان الموظف الفنى من الدرجة الأولى مستوفياً لشروط الوظيفة وفق بطاقة الوصف والهيكل التنظيمى والقواعد القانونية المنظمة لشغلها. فقد يكون إسناد الوظيفة إليه جائزاً من الناحية القانونية. أما إذا كان لا يستوفى شرطاً أساسياً من شروط شغل الوظيفة. فلا تستطيع الدرجة المالية الأولى أن تمنحه شرطاً غير موجود فيه. لأن الدرجة المالية لا تغير طبيعة المجموعة الوظيفية. ولا تحول الوظيفة الفنية إلى وظيفة تخصصية. ولا تمنح صاحبها مؤهلاً جامعياً لمجرد أنه يحمل رقماً وظيفياً أعلى.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل. كيف يمكن أن يتحول الرقم الموجود بجوار إسم الموظف إلى معيار يتجاوز المؤهل والتخصص وطبيعة الوظيفة وبطاقة وصفها؟ وكيف يصبح مجرد الإنتقال من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الأولى سبباً كافياً لإسناد إدارة ذات طبيعة زراعية إلى موظف فنى بينما يعمل داخلها مهندسون متخصصون؟

لا أحد يقول إن المهندس أرفع إنسانياً من الفنى. ولا ينبغى أن تتحول المسألة إلى صراع بين فئات العاملين. الفنى له دوره. والمهندس له دوره. وكل مجموعة وظيفية لها أهميتها داخل الجهاز الإدارى. لكن العدالة الوظيفية تقتضى أن يشغل كل موظف الوظيفة التى تتفق مع شروطها القانونية. وأن تكون المفاضلة وفق القواعد المقررة. لا وفق الإنطباعات الشخصية. ولا وفق معيار واحد يتم إستخدامه وإهمال بقية المعايير.

والأكثر أهمية أن وجود مهندسين داخل الإدارة يحملون مؤهلات جامعية أو درجات علمية أعلى يطرح سؤالاً إدارياً مهماً. هل وظيفة مدير الإدارة ذات طبيعة تخصصية تتطلب مؤهلاً وتخصصاً معيناً؟ أم أن طبيعة الوظيفة تسمح قانوناً بأن يشغلها موظف من مجموعة وظيفية أخرى؟

الإجابة لا تُستخرج من الألقاب. ولا من الإنطباعات. ولا من المجاملات الإدارية. وإنما من بطاقة وصف الوظيفة والهيكل التنظيمى والقواعد القانونية المنظمة لشغلها.

وقد يقول قائل. إن الإدارة من حقها أن تختار من تراه مناسباً. وهذا صحيح فى الحدود التى رسمها القانون. فالسلطة الإدارية لديها مساحة من التقدير فى إدارة المرفق العام. لكنها ليست سلطة مطلقة. والسلطة التقديرية لا تعنى أن يصبح القرار فوق القانون. فالإختيار الإدارى يجب أن يظل مرتبطاً بشروط الوظيفة وبالقواعد المنظمة لشغلها وبمبدأ المشروعية.

وهنا يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً لأى قرار إدارى محل تساؤل. ليس لماذا تم إختيار فلان؟ وإنما أين النص الذى يسمح بهذا الإختيار؟ وما شروط الوظيفة؟ وهل تنطبق على من تم إختياره؟ وهل تم إتباع الإجراءات المقررة؟ وهل سبب القرار المعلن هو بالفعل السبب القانونى الصحيح؟

هذه الأسئلة ليست تمرداً على الإدارة. بل هى إحترام للإدارة.

فالمؤسسة القوية ليست المؤسسة التى لا يعترض فيها أحد. وإنما المؤسسة التى تستطيع أن تشرح قراراتها بالقانون. والقرار الصحيح لا يخشى السؤال. ولا يحتاج إلى تبريرات متغيرة من شخص إلى آخر. ولا ينبغى أن يكون مستقبل الوظائف مرهوناً بتقدير فردى لا يستند إلى معيار واضح ومعلن.

إن المشكلة الحقيقية ليست فى أن يكون مدير الإدارة مهندساً أو فنياً. وإنما فى أن يكون شاغل الوظيفة مستوفياً لشروطها القانونية. فإذا كانت الوظيفة تخصصية ولا يجوز أن يشغلها إلا من تتوافر فيه شروطها التخصصية. فلا يجوز أن تصبح الدرجة المالية بديلاً عن شرط التخصص. وإذا كانت الوظيفة تسمح قانوناً بشغلها من المجموعة الفنية. فلا يجوز أيضاً إستخدام المؤهل الجامعى وحده ذريعة لإقصاء موظف مستوفٍ للشروط.

لكن إذا كانت الواقعة محل النقاش تقوم بالفعل على قاعدة واحدة فقط. وهى إزالة مهندس تخصصى من إدارة لأنه فى الدرجة الثالثة. ثم إسناد الإدارة إلى موظف فنى زراعى لأنه فى الدرجة الأولى. فهنا من حق العاملين أن يسألوا بهدوء وبإحترام. أين النص القانونى الذى يقول إن الدرجة المالية الأولى تمنح صاحبها الأولوية فى رئاسة إدارة لمجرد أن الموظف الآخر على درجة مالية ثالثة؟

هذا السؤال هو مفتاح القضية كلها.

فالوظيفة ليست جائزة لمن يحمل الرقم الأعلى. والإدارة ليست مكافأة مالية. والمسؤولية الإشرافية ليست مجرد إمتداد للدرجة المالية. وإنما هى وظيفة لها وصف وشروط وإختصاصات ومسؤوليات. ومن أراد شغلها فعليه أن يثبت أولاً أنه مستوفٍ لشروطها.

وأخطر ما يمكن أن يحدث فى أى جهاز إدارى هو أن تختلط السلطة بالإجتهاد الشخصى. وأن يتحول القرار الإدارى من أداة لتنظيم العمل إلى وسيلة لتغيير مواقع الموظفين دون معيار واضح. لأن ذلك لا يضر موظفاً واحداً فقط. بل يضرب الثقة فى النظام الإدارى كله.

إن إحترام التخصص لا يعنى إحتكار الوظائف. وإحترام الدرجة المالية لا يعنى تحويلها إلى مفتاح لكل الأبواب. لكل منهما مجاله. والخلط بينهما قد يؤدى إلى قرارات تبدو صحيحة على الورق بينما تثير أسئلة جوهرية عند فحصها من الناحية القانونية.

نحن لا نطالب بأن تكون الأولوية للمهندس لمجرد أنه مهندس. ولا نطالب بأن تكون الأولوية للفنى لمجرد أنه أقدم أو أعلى درجة. نحن نطالب بشىء أبسط من ذلك كله. أن تكون هناك قاعدة معلنة. وأن تطبق على الجميع. وأن تكون بطاقة وصف الوظيفة هى الفيصل. وأن يكون القانون فوق الأشخاص. وأن تكون الكفاءة والتخصص وشروط شغل الوظيفة حاضرة فى القرار كما ينبغى أن تكون الدرجة المالية حاضرة فى مكانها الصحيح.

لأن أخطر شىء على الإدارة ليس أن يتولى الوظيفة مهندس أو فنى. وإنما أن يصبح معيار الإختيار غامضاً. وأن يعرف الموظفون أن الإجابة عن سؤال (لماذا تم إختيار هذا الشخص؟) يمكن أن تكون فقط. (لأنه درجة أولى).

فالدرجة الأولى قد تكون أعلى مالياً. لكنها ليست رخصة مفتوحة لشغل كل وظيفة. والدرجة الثالثة قد تكون أقل مالياً. لكنها لا تعنى تلقائياً أن صاحبها فاقد للأهلية الإدارية أو التخصصية.

ويبقى السؤال الذى لا ينبغى أن يهرب منه أى قرار إدارى. هل شاغل وظيفة مدير الإدارة مستوفٍ لشروط شغلها وفق القانون وبطاقة وصفها وهيكلها التنظيمى؟

إذا كانت الإجابة نعم. فليُعلن السند بوضوح. وإذا كانت الإجابة لا. فهنا لا تكفى الدرجة الأولى لتصحيح ما قد يكون مخالفاً لشروط الوظيفة.

هكذا تكون الإدارة بالقانون. لا بالأهواء. وتكون الوظيفة مسؤولية. لا مكافأة. ويكون إحترام التخصص جزءاً من إحترام المرفق العام. ويصبح القرار الإدارى قوياً بقوة سنده القانونى. لا بقوة من أصدره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى