
بقلم:منى جمال
الخلوة
في تلك الغرفة المظلمة، وعلى ذلك الجدار اعتدت أن اختلي بنفسي، اجلس كالقرفصاء وأحتضن نفسي …أشدد بذراعيّ كي أشعر أن نفسي تحتويني، أجعل أنفاسي تدفئني.
جسد بارد كالثلج وأنفاس تخرج كالنار؛ بركان غضب يُلقى حممه على بياض الثلج ويجعله يبدو كالرماد وإن لامسته وجدته معدن صلب؛ فاختلاج النفس في الخلوات صراع، بين رضا وجنوح نفس راضية وأخرى أمارة بالسوء، من ينتصر ومن منهم يذوب، من يخرج للنور ومن يندثر ويحول.
انفراد النفس في معزل عن الناس، حيث السكينة والشعور بالأمان.
الطمأنينة تلك تجعل الإنسان يشعر بالحرية فتقبع أنفاسه المزدوجة في الظهور تتحارب وتتسارع إلى أن تعتلي إحداهما عليه وتهيمن؛ من أفلح قد جعلها سكناً وأُنس بالله ومع الله. ذكر وشكر، سجد وابتهل، فاز واجتنب؛ ومن خاب جعل نفسه فريسة لرذيلة تستهلكه وتجعله أسيراً لملذاته، ربما لا تخرج من خياله فتتصارع أفكاره وتزيد إحماءه فيزيد غضبه أو تنتهكه شهوته؛ فالخيال أجمح من وقوع الخلوة بإسهام، فالخيال يجعلك تختلق مالا يجوز واقعك فعله
فتسرد لنفسك خطوات وخطوط عاجز عنها ولك فيها حدود.
وأما إن كانت لنفسك شريك في خلوتك فقد آثم قلبك وجسدك وحملت وزراً إلى وزرك.
تصبح من ليلتك هذه أو تلك وكأنك كنت في حلم، خجلا من نفسك، تريد لو تسوى بك الأرض أو تكون ضئيلا بحجم لا يرى
لو كنت وحدك ولم يعلم عنك أحدا، فلن تصدق نفسك في أي حديث، ستجد شيء بداخلك يردد بصوت لا يسمعه غيرك أنت كاذب، فقد خنت نفسك فكيف تنطق بما لا تفعل، وإن كان لك شريك فتنصب عليه هجوما بالترك والهروب وأسقاط عليه ما لا تستطيع نفسك تحمله وحدها، وألقيت عليه كل الذنوب
مسكين أيها الإنسان، حينما تعرف حقيقة أمرك وتصر على جعل نفسك مهزوم.
أيها الإنسان وما بك من داء، جئت إلى الدنيا بثوب أبيض لا يشوبه غبرة، وستغادر الدنيا بنفس ذلك الثوب وإن تغير حجمه، ربما لا تستطيع أن ترى أو يرى من حولك؛ نقاطه السوداء التي كُتبت في صحيفتك وطُبعت على قلبك، ربما تظن أنك نسيتها أو أنها طمست مع الأيام ولكن هناك من يراك حين تمسي وتقوم، ويعلم ما امتلكته نفسك من تقوى ومن فجور، ألهمك الاثنان وجعلك حرا في الاختيار ووقت الامتحان ستعلم ما المآل وستتمنى لو تعاد لك الأيام، تخلو فيها ساعة مع ربك عسى أن يجعلك مقبولاً على الحساب






