
بقلم الكاتب/حسين أبوالمجد حسن
في زمنٍ صار الحب فيه صورة على شاشة، ورسالة عابرة في صندوق الدردشة، يبحث الكثيرون عن معنى أصيل لمشاعر تاهت بين الزيف والادّعاء. فهل بقي للحب الحقيقي مكان في هذا الصخب؟
يأخذنا هذا المقال إلى عمق الإحساس الصامت، إلى ذلك الحب الذي لا يُقال، لكنه يُعاش بكل الحواس والوجدان.
في زحام الكلمات، وضجيج الهواتف، وتزاحم القلوب على وهم الاهتمام… يظلّ الحب الحقيقي كنسمةٍ خفيةٍ تمرّ على القلب، لا تُرى ولكن يُحسّ بها عمقًا، تسكن الروح دون إذن، وتُقيم دون وعد.
فالحبّ، يا صاحبي، ليس بطول الاتصال، ولا بكثرة الغزل، ولا بتبادل العبارات التي تتبخّر مع أول سوء فهم.
إنه شيء أعمق من ذلك، شعور يسكنك حين يغيب من تحب، فتبقى روحه حاضرةً في تفاصيلك الصغيرة، في نبرة صوتٍ تشبه صوته، في طريقٍ مررتما به يومًا، في أغنيةٍ كانت تجمعكما صدفة.
الحب الحقيقي لا يحتاج إلى دليلٍ يومي، ولا إلى شواهد تُعلن وجوده، لأن حضوره في القلب أصدق من كل برهان.
هو أن تشعر بالأمان في فكرة وجوده فقط، وإن لم تلتقيا.
أن تبتسم حين تتذكره، رغم ألم البُعد، لأنك تعلم أن هذا الشعور لا يشيخ، ولا يزول، بل يتنقّى مع الصمت والنسيان.
الحب الحقيقي لا يطلب، ولا يُقاس، ولا يُشترى.
هو أن تبقى الدعوة له في خفاءٍ كل ليلة، وأن تظلّ تتمنى له الخير، وإن كان الخير بعيدًا عنك.
هو أن تشعر أن جزءًا منك يسير في هذا العالم متجسدًا فيه، وأن فقده لا يعني النهاية، بل يعني أن الحب قد تحوّل من حيازةٍ إلى إحساسٍ خالدٍ لا يموت.
إننا نتوه كثيرًا بين ضوضاء العشق المصطنع، وننسى أن الحبّ ليس ما يُقال، بل ما يُزرع في القلب فيثمر صدقًا ووفاءً وطمأنينة.
فما أجمل أن تجد من تحبه، لا يُكثر الحديث، ولا يُظهر التملك، لكنه حين يرحل… يبقى فيك أثره كوشمٍ على روحك، لا يُمحى مهما مرّ الزمان.
ذلك هو الحب الحقيقي — أن تذهب، فيبقى تفكيرك بمن تحب، وكأنك لم تغب قط.





