
كتب ضاحى عمار
المقال يتناول بعمق موت حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، الذي قضى حياته أسيرًا في فلك السياسة الإيرانية، مسحورًا بأجندتها ومراميها. من البداية وحتى النهاية، ظل نصرالله يتبع سياسات النظام الإيراني، والذي غالبًا ما كان يقدم مصالحه على المبادئ التي يتبناها في العلن، مثل شعاره “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل”. ولكن في النهاية، ما الذي جناه نصرالله من ولائه المطلق لطهران؟ هنا يكمن الغدر الذي طالما حذر منه خبراء السياسة.
نصرالله، الذي لطالما قاد حزب الله بعقلية عسكرية وسياسية، وضع ثقته العمياء في إيران، متناسيًا دروسًا تاريخية أظهرت أن إيران مستعدة للتحالف مع “الشيطان الأكبر” لتحقيق مصالحها. فضيحة “إيران غيت” في الثمانينيات كانت شاهدة على هذا التعاون الغريب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث زودت واشنطن طهران بالأسلحة لمواصلة الحرب ضد العراق، وهو ما يكشف عدم التزام النظام الإيراني بالشعارات التي يرفعها.
نصرالله، رغم فطنته المزعومة، فشل في إدراك حقيقة أن النظام الذي يدعمه هو نظام براغماتي، يقدم مصالحه على أي شيء آخر. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وفي الألفية الجديدة، لم تتوانَ إيران عن التعاون مع الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها الإقليمية، سواء في أفغانستان أو العراق، رغم شعارات “الشيطان الأكبر” التي ترفعها في العلن.
أحد الخبراء السياسيين في بيروت، الدكتور أحمد فؤاد، يرى أن نصرالله وقع ضحية لغطرسته السياسية، إذ كان يعتقد أن النظام الإيراني سيوفر له ولحزبه الحماية المطلقة. ولكن كما يقول فؤاد: “السياسة لا تعرف الولاء المطلق. النظام الإيراني كان يرى في نصرالله مجرد أداة يمكن استخدامها حتى اللحظة التي تتعارض فيها مصالحه مع بقاء هذه الأداة”.
وبحسب الدكتور طارق حمدان، الخبير في الشؤون الإقليمية، فإن نصرالله كان في النهاية “تابعًا انتهت صلاحيته”. يوضح حمدان أن إيران اضطرت في النهاية إلى التضحية بنصرالله لإنقاذ نفسها من الضغوط الدولية. “النظام الإيراني كان يبحث عن كبش فداء، ونصرالله كان الخيار المثالي. لقد ضحى بلبنان ومواطنيه من أجل إيران، وفي النهاية، لم يجد إلا الغدر”.
ما كان لافتًا في مسيرة نصرالله هو أنه، رغم كل ما قدمه لإيران، لم يدرك أبدًا أن النظام الذي خدمه لن يتوانى عن التضحية به. يقول الدكتور حمدان: “من الواضح أن نصرالله كان يعلم جيدًا كيف يلعب اللعبة السياسية، لكنه لم يكن يتوقع أن يُخدع بهذه الطريقة. إيران، التي استخدمته كورقة في صراعاتها الإقليمية، لم تجد أي مشكلة في التخلي عنه عندما استدعت الحاجة”.
وفي السياق ذاته، يعلق الصحفي اللبناني سمير سليم قائلاً: “نصرالله كان مسحورًا بالسلطة الإيرانية إلى درجة أنه ضحى باستقلالية لبنان وحريته. لم يرَ إلا مصلحة إيران، وتناسى تمامًا مصلحة بلده”. ويرى سليم أن نصرالله، من خلال ارتباطه الوثيق بإيران، فقد شرعيته الوطنية، حيث أصبحت حركته مرتبطة تمامًا بالمصالح الإيرانية، وهو ما أدى في النهاية إلى نهايته.
لكن الغدر الإيراني لم يكن مفاجئًا لكل المراقبين. يقول الدكتور محمد سعيد، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة: “إذا نظرنا إلى سجل إيران التاريخي في تعاملها مع حلفائها، سنجد أن الغدر جزء من استراتيجيتها. إيران لا تملك ولاء لأحد، ولا تخشى التخلي عن أي شخص إذا كان ذلك في مصلحتها”. ويضيف سعيد أن “نصرالله لم يكن استثناءً. في اللحظة التي أصبح فيها عبئًا على إيران، لم يترددوا في التضحية به”.
وبالعودة إلى تاريخ حزب الله نفسه، نجد أن نشأة الحزب كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدعم الإيراني. منذ تأسيسه في أوائل الثمانينيات، كان حزب الله يمثل الذراع العسكرية لإيران في لبنان، وينفذ أجندتها السياسية والعسكرية في المنطقة. لكن هذه العلاقة القائمة على التبعية المطلقة لم تكن لتستمر إلى الأبد، إذ أن الظروف الدولية والضغوط المتزايدة على إيران أجبرتها على إعادة النظر في تحالفاتها.
نهاية نصرالله تأتي كتذكير قوي بأن السياسة لا تعرف الولاء الدائم، وأن الأنظمة السياسية قد تتخلى عن حتى أكثر حلفائها إخلاصًا إذا تطلب الأمر ذلك. بالنسبة لإيران، كان نصرالله مجرد أداة في مشروعها الإقليمي، وعندما انتهت صلاحية هذه الأداة، لم يكن من الصعب التخلي عنه.
في النهاية، مات حسن نصرالله قبل أن يقول كلمته الأخيرة، وهي ربما كانت ستكشف عن شعوره بالغدر من قبل صانعيه. لكن حتى لو كان قد بقي على قيد الحياة، فمن الصعب أن نقول إنه كان سيجرؤ على الاعتراف بهذا الغدر، لأن التبعية لإيران كانت هي السبيل الوحيد الذي ي





