
الاعتزال من القمة لا من الضعف
بقلم: سيد جلال الفرماوي
لم نتعود من الكبار أن يرحلوا وهم منكسرون، ولم نعرف في تاريخ النجوم الحقيقيين أن الاستسلام كان يومًا خيارهم الأخير. الكبار لا يعتزلون لأنهم ضعفوا، بل لأنهم اختاروا التوقيت… واختاروا الرحيل وهم في القمة.
ومن هنا، يثور الجدل كلما ذُكر اسم الكابتن محمد صلاح مقترنًا بكلمة «اعتزال». فمحمد صلاح، الذي صنع مجده بقدميه، وفرض اسمه على أقوى دوريات العالم، لا يشبه أولئك الذين يختفون عند أول عثرة، ولا أولئك الذين ينسحبون حين تتراجع الأضواء قليلًا.
الحديث عن اعتزال صلاح بسبب لحظة تراجع أو ضغط نفسي، هو حديث لا يليق بتاريخ لاعب بُني على الصبر والكفاح والتحدي. صلاح لم يصل لما هو فيه بالصدفة، ولم يصنع اسمه بالمجاملة، بل شق طريقه من القاع إلى القمة، وواجه ما هو أصعب من خسارة مباراة أو إخفاق بطولة.
وعندما نبحث في ذاكرتنا الرياضية عن المعنى الحقيقي للاعتزال المشرف، يتصدر اسم الكابتن محمد أبو تريكة المشهد. اعتزل وهو قادر على العطاء، وهو حاضر فنيًا وذهنيًا، لكنه اختار أن يرحل في اللحظة التي تليق بتاريخه، لا في لحظة ضعف أو تراجع.
أبو تريكة لم ينتظر أن تُسحب منه النجومية، ولم يسمح للزمن أن يهز صورته في أعين جماهيره. رحل وهو قوي، فبقيت صورته ناصعة في الذاكرة، وبقي اسمه رمزًا للاعب الذي فهم معنى النهاية قبل أن تفرضها عليه الظروف.
وهنا يكمن الفارق بين اعتزال يُفرض، واعتزال يُختار. الأول هروب، والثاني قرار. الأول ضعف، والثاني قوة. والكبار وحدهم من يملكون شجاعة القرار.
محمد صلاح، بما يملكه من تاريخ ومكانة، وبما قدمه للكرة المصرية والعالمية، لا يجب أن يكون أسيرًا لضغوط لحظة أو انفعال جمهور. إن اعتزل يومًا، فليكن اعتزالًا من موقع القوة، من منصة المجد، لا من زاوية التعب.
الرياضة لا ترحم، لكن التاريخ منصف. والتاريخ لا يذكر إلا من عرف متى يبدأ… ومتى ينتهي.
صلاح لا يزال في خانة القادرين، وإن جاء يوم الرحيل، فليكن على طريقة الكبار… كما فعل أبو تريكة.





