قراءة نقدية في دراسة: “بيروت وهجير الأغنيات” (مقاربة في تفكيك خطاب الألم واستعادة الأيقونة الجمالية)
حسن غريب أحمد
ناقد باحث مصري
تُقدّم دراسة “بيروت وهجير الأغنيات” للدكتورة سناء أسعد يحفوفي قراءةً مفعمةً بالتوهّج التأويلي لنصّ الشاعر حميد سعيد “تُقبل بيروت بجلباب حرائقها”، وهي قراءة لا تقف عند حدود الشرح أو التفسير، بل تتجاوز ذلك إلى بناء خطاب نقدي موازٍ، ينهض على لغة كثيفة، ورؤية مركّبة، تستحضر فيها الناقدة أدواتها الجمالية والمعرفية لتعيد تشكيل النص بوصفه تجربة وجودية شاملة.
منذ العتبة الأولى، تنحاز الدراسة إلى لغة مشحونة بالاستعارة، حيث تتحول “بيروت” من موضوع شعري إلى كائن أنطولوجي يتنفس الألم، وتغدو الكتابة نفسها فعل احتراق موازٍ. هذا الخيار الأسلوبي، على الرغم من جمالياته العالية، يضع القارئ أمام نص نقدي يكاد يلامس تخوم الشعر، فيتداخل فيه الخطابان: الإبداعي والنقدي، في علاقة شدّ وجذب تُثري القراءة من جهة، لكنها قد تُثقلها من جهة أخرى.
أولًا: جمالية العتبة وتحويل العنوان إلى بؤرة دلالية
تنجح الدراسة في التقاط مركز الثقل في القصيدة: “جلباب الحرائق”، بوصفه استعارة كلية تختزن التحول من الفردوس إلى الجحيم. وتُحسن الناقدة حين تتعامل مع العنوان لا كمدخل فقط، بل كفضاء تأويلي مفتوح، تُسقط عليه تحولات المدينة والوعي معًا. فبيروت هنا ليست مدينة تحترق، بل “جوهر يتبدل”، وذاكرة تُعاد كتابتها بالنار.
غير أن هذا التوسّع في التأويل، وإن كان ثريًا، كان يمكن أن يستفيد من قدرٍ أكبر من التحديد المنهجي، بحيث يتم ضبط العلاقة بين الرمز ودلالته، خاصة حين تتعدد الإحالات وتتشعب.
ثانيًا: التناصّ بوصفه أفقًا للذاكرة الحضارية
من أبرز نقاط القوة في الدراسة، استثمارها العميق لفكرة التناص، حيث تُقيم الناقدة شبكة علاقات بين بيروت والأندلس، بين الحاضر المحترق والماضي الساقط. هذا الربط لا يأتي بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل بوصفه ضرورة جمالية لفهم “سقوط الفردوس” كنسق تاريخي متكرر.
تُحسن الدراسة حين تستدعي رموزًا مثل الأخطل الصغير، والمعتمد بن عباد، وولّادة بنت المستكفي، لتؤسس لوعي مأساوي ممتد، يجعل من بيروت امتدادًا لغرناطة لا مجرد مدينة معاصرة. غير أن هذا التناص، رغم عمقه، كان بحاجة أحيانًا إلى تقليص كثافته، حتى لا يتحول إلى عبء معرفي يزاحم النص الأصلي بدل أن يخدمه.
ثالثًا: أنطولوجيا المحو… الكتابة بوصفها أثرًا زائلًا
تبلغ الدراسة ذروتها الفلسفية في مقاربة “الكتابة على الماء”، حيث تنتقل من تحليل النص إلى مساءلة فعل الكتابة ذاته. هنا تطرح الناقدة سؤالًا جوهريًا: ما جدوى الكتابة في زمن الاحتراق؟
تُقدَّم الإجابة ضمنيًا عبر مفارقة لافتة: الكتابة، رغم زوالها، هي الفعل الوحيد الممكن. وهذا الطرح يفتح أفقًا تأمليًا عميقًا، يجعل من القصيدة مقاومة رمزية في وجه العدم.
غير أن هذا المسار الفلسفي، على أهميته، كان يمكن دعمه بمقاطع نصية أكثر مباشرة من القصيدة، لتظل العلاقة بين التحليل والنص متماسكة بشكل أوثق.
رابعًا: سوسيولوجيا الخراب وسقوط المثال
تُحسن الدراسة في الانتقال من الجمالي إلى الاجتماعي، حيث تقرأ احتراق بيروت بوصفه انهيارًا في البنية القيمية، لا مجرد دمار مادي. فـ“سقوط الجدران” يتحول إلى سقوط للمعنى، و“زحف النار” إلى تفكك في العقد الاجتماعي.
هذا البعد يمنح القراءة عمقًا إضافيًا، ويجعلها تتجاوز حدود النقد الأدبي إلى تخوم النقد الحضاري. إلا أن هذا التوسّع، كما في مواضع أخرى، كان يمكن أن يُدعّم بإحالات أكثر دقة إلى بنية النص الشعري، حتى لا ينفصل التحليل عن مادته الأصلية.
خامسًا: بلاغة الاعتزال… بين الشاعر والناقد
في خاتمتها، تعود الدراسة إلى مفهوم “المعتزل”، بوصفه فضاءً رمزيًا يجمع بين الشاعر والناقد معًا. فكما اعتزل الشاعر العالم ليكتب، تعتزل الناقدة النص لتعيد بناءه. وهنا تتجلى واحدة من أجمل مفارقات الدراسة: أن النقد نفسه يصبح شكلًا من أشكال الإقامة في الألم.
لكن اللافت أن هذه الخاتمة، رغم شعريتها العالية، تميل إلى التكرار الدلالي، حيث تعيد إنتاج أفكار سابقة دون إضافة نوعية واضحة، وكان يمكن تكثيفها لتكون أكثر حسمًا وإشراقًا.
خلاصة التقييم
نحن أمام دراسة نقدية ثرية، تمتاز بـ:
لغة عالية الكثافة، تمزج بين الشعر والنقد
رؤية تأويلية عميقة، تستحضر التاريخ والذاكرة
قدرة على الربط بين الجمالي والوجودي والاجتماعي
وفي المقابل، تؤخذ عليها:
الإفراط في التوسّع الاستعاري على حساب التحديد المنهجي
كثافة التناص التي قد تُربك القارئ أحيانًا
ميل بعض المقاطع إلى التكرار أو الانفصال النسبي عن النص
ومع ذلك، تبقى هذه الدراسة نموذجًا لقراءة نقدية تنحاز إلى “الكتابة بوصفها موقفًا”، لا مجرد أداة تحليل، حيث تتحول بيروت من موضوع للقراءة إلى مرآة لوعي عربي مأزوم، يبحث في رماد المدن عن معنى للبقاء.
ختامًا
تنجح الدكتورة سناء أسعد يحفوفي في أن تجعل من نقدها نصًا موازياً، لا يقل حرارة عن القصيدة نفسها، مؤكدة أن حين تحترق المدن… لا يبقى سوى اللغة لتشهد، ولتقاوم، ولتعيد بناء ما تهدّم في الوجدان.