أخبارالأسرة والطفل

التربية بين الأمس واليوم

التربية بين الأمس واليوم

في زمنٍ ليس ببعيد، كانت التربية تُغرس في القلوب قبل العقول، وتُعلَّم بالفعل قبل القول. لم تكن القيم دروسًا تُلقَّن، بل سلوكًا يوميًا يُمارَس داخل البيوت وفي الشوارع والمدارس. كان الاحترام فطرة، والأدب عادة، وتحمل المسؤولية جزءًا أصيلًا من النشأة.

في الأمس، كان للكبير قدره، وللكلمة وزنها، وللخطأ حسابه. لم تكن التربية قائمة على الخوف بقدر ما كانت قائمة على الفهم والقدوة. كان الطفل يتعلم من نظرة، وينضبط بتوجيه، ويشعر أن هناك حدودًا تحميه لا تقيده. الأسرة كانت المصدر الأول للقيم، والمجتمع شريكًا في ترسيخها.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد. لم تتغير القيم في جوهرها، لكن طرق غرسها اضطربت. دخلت مفاهيم جديدة إلى التربية الحديثة تحمل في ظاهرها الرحمة والاحتواء، لكنها أُسيء فهمها وتطبيقها. تحوّلت الحرية عند البعض إلى فوضى، والاحتواء إلى تبرير، واختفت الحدود الواضحة بين الصواب والخطأ.

كبر الطفل وهو يسمع كثيرًا عن حقوقه، وقليلًا عن واجباته. يعرف ما يجب أن يُقدَّم له، ولا يُعلَّم بالقدر الكافي ما يجب أن يقدّمه للآخرين. فتلاشى الاحترام شيئًا فشيئًا، لا عن قصد، بل نتيجة غياب القدوة والحزم المتزن.

ولا يمكن إغفال أثر التكنولوجيا وتسارع إيقاع الحياة. الشاشات أصبحت مربيًا بديلًا، تنقل أنماطًا وسلوكيات لا تراعي ثقافتنا ولا قيمنا. ومع انشغال الأهل وضغوط المعيشة، قلّ الحوار الحقيقي داخل البيوت، وترك فراغًا تربويًا ملأه العالم الافتراضي.

لكن الأزمة ليست في الجيل الجديد، فهو جيل ذكي، واعٍ، سريع التعلّم. الأزمة الحقيقية في الأسلوب. فالتربية لا تُقاس بمدى الدلال ولا بشدة القسوة، بل بقدرتنا على تحقيق التوازن بين الحزم والرحمة، وبين الحرية والانضباط، وبين الحداثة والأصالة.

نحن لا نحتاج إلى العودة الكاملة إلى الماضي، ولا إلى رفض الحاضر، بل إلى استعادة جوهر التربية القديمة بروح العصر. أن نعلّم أبناءنا أن الاحترام لا يُلغي الشخصية، وأن الأدب لا يتعارض مع الثقة بالنفس، وأن الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقًا.

التربية مسؤولية ممتدة لا تنتهي، والقيم لا تفقد قيمتها بمرور الزمن، لكنها تحتاج من يجدد حضورها بالفعل والقدوة. وإذا أردنا مستقبلًا أفضل لأبنائنا، فعلينا أن نبدأ بإصلاح نظرتنا للتربية، وأن نعيد الاعتبار لدورنا الحقيقي كآباء ومربين.

بقلم: رحاب جمال

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى